نتعاطف جميعاً مع الكاتب السعودي جمال خاشقجي، وأسرته المكلومة، ونتمنى أن يتولاهم الله بعين عطفه، فنحن أمة سلام وإنسانية لا تؤمن بالعنف، ولا ترضى الأذية لمن يختلف معها في الرأي.

ولا شك أن تداعيات وعدم منطقية قصة خاشقجي سببت أزمة سياسية في عدة ساعات.

عدم تعامل خاشقجي مع أنظمة (ابشر) وبقية الأنظمة العدلية الإلكترونية، التي تدهشنا بسهولة التعامل معها، والتي لا تستدعي الحضور الشخصي لكثير من المعاملات، يعطي دلالات غريبة، إلا إذا كان جمال يجهلها!

منفاه الاختياري بأميركا جعله يقوم بزيارات متعددة لسفارة خادم الحرمين بواشنطن، والغريب أنه لم يستخرج ورقة زواجه من هناك وفضل تركيا عنها؟!

خطيبته القريبة من النظام الحاكم، والتي ينكرها أفراد أسرته لغز محير، وقد تكون مفتاح الغموض ودليل ما خلف الأكمة!

سرعة وصول الخبر لقناة الجزيرة، والتي كانت المصدر الحصري، فأخذت عنها وكالة رويترز، وبقية القنوات العالمية، حتى تصدر الخبر نشرات أخبار عدة قنوات بادرت بتبادل السيناريوهات العديدة منذ الساعات الأولى لاختفائه.

تهافت الصحفيين الأتراك والعرب إلى الشارع بهذه السرعة، ووقفاتهم الاحتجاجية بيافطات موحدة جاهزة ونداءات وبكاء وتحليلات، فكأنهم ظلوا ينتظرون ذلك على أحر من الجمر، وأن أحداً قد جيشهم ورتب صفوفهم مسبقاً.

تناقض عجيب بين مطالبات ودموع وبكاء الكثير من الصحفيين من جماعة الإخوان، فهم لم يبكوا يوماً على ما يحدث لشعوب بلدانهم المحترقة، ولم نسمع منهم يوماً احتجاجاً على أوضاع من يقبعون في السجون من الصحفيين، بينما جمعهم ووحدهم اختفاء خاشقجي!

صدور بيانات من مقربين ومستشارين للرئاسة التركية، ثم العودة عنها يدل على كثير من التخبط.

تسابق مذيعي قناة الجزيرة في مسح تغريداتهم، من اختطاف وقتل وتقطيع وترحيل للجسد، يدل على أن هنالك من يحركهم، والذي لا شك عاب عليهم الخروج عن النص، وسرعة تسريب المعلومات، التي كان من المفترض أن تنتظر قليلاً. تم اتهام وفد سعودي قام بزيارة القنصلية يومها، رغم أن طائرتهم قد فتشت في دخولهم وخروجهم من تحت أعين الأمن التركي.

صرح ولي العهد محمد بن سلمان لوكالة بلومبيرغ بأنه مستعد لفتح القنصلية للتفتيش، وإرسال فريق أمني سعودي للمشاركة في كشف خبايا القضية، إلا أن القنوات العالمية قفزت على الحقائق، ولم تنتظر نتائج التحقيق المشترك.

أبدى سفير خادم الحرمين في واشنطن خالد بن سلمان تعاطفه مع أسرة خاشقجي، وبين علاقته الشخصية معه، وأنه لم يكن معارضاً بقدر ما كان صاحب رأي مختلف، وأنه قد زار السفارة عدة مرات مثل أي مواطن.

المملكة دولة قانون وإنسانية، وكلنا أمل أن تسفر التحقيقات عن كشف الطرف الثالث المستفيد، والذي ندرك من ملامح القضية وخبثها من يكون، ونتمنى من البلدين عدم ترك الفرصة لمشعلي الفتن.