بدأت التحويلات المالية لإخواننا الوافدين في التراجع التدريجي.. تراجعت للمرة الأولى إلى 10.371 مليارات ريال في يناير2017 مقابل 14.041 مليار ريال في ديسمبر بنسبة تراجع بلغت 26 % وانخفضت في أغسطس الماضي بنسبة 14 % من 12.620 مليار إلى 10.049 مليار (حسب بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي) مع تباين في بقية الشهور بين ارتفاع وانخفاض، ولعل الارتفاع في بعض الشهور يعود إلى بيع كثير من المُتستّر عليهم لمخزونهم التجاري نتيجة فُرُق التفتيش الموكل إليها محاربة التستر.. 

في العام 2017 بلغت تحويلات الوافدين 14.660 مليار ريال (هذا غير التحويلات التي تتم خارج المصارف وما يحمله المسافرون معهم) وذلك نزيف خطير في جسدنا الاقتصادي يضغط على ميزان المدفوعات ويُحجّم تدوير النقود داخل المملكة، ويجعل العملات الصعبة تقل، وقبل هذا يدل الرقم الكبير من الأموال المحوّلة على طرد ألوف السعوديين من سوق العمل عامة (ومن التجارة خاصة) إذاً أنّ (المنافسة غير عادلة) بين أي وافد ومواطن في أي بلدٍ كان، فالمواطن لديه التزامات مالية وأسرية واجتماعية، والوافد مرتاح منها، كل همه البقاء في متجره (مثل المسمار في الخشبة) فحياة الكثير من الوافدين هنا عمل كثير ونوم قليل، وبناء مستقبل في بلادٍ بعيدة، على حساب مستقبل أولادنا وأجيالنا القادمة.. 

 كما أن الرقم (المهول) -بلا مبالغة- يعني حرمان التجار السعوديين الحقيقين، والاقتصاد الوطني، من دوران تلك النقود أو نصفها على الأقل، داخل المملكة، وإذا أخذنا نصف المبلغ فقط (70) مليار ريال وضربناه في 4 خرجنا برقم يفوق ميزانيات خمس دول نامية (280 مليار) كانت سوف تُصرف داخل المملكة، فالقاعدة الاقتصادية أثبتت أنّ كل ريال يصرف داخل البلد عن 4 ريالات مهاجرة، فدوران النقود داخل أي بلد له مفعول عجيب في إنعاش الأسواق وفائدة التجار وتشغيل مُحرِّك النمو في كل القطاعات، وارتفاع معدل تشغيل المواطنين في أي بلد، لأنهم يحلون محل المغادرين، وينفقون ما يكسبون في الداخل (استهلاكاً واستثماراً) بدل طيران تلك المليارات لبلدان أخرى تُشَغِّل عمالتها مرتين: مرة عندنا، وثانية في بلدها، وحرمان السوق المحلي من ثروات هائلة تدعم الناتج الوطني، وتُطفئ حرائق البطالة، وتنعش الأسواق (فإنفاق المستهلكين من أهم المؤثرات على نمو الناتج الوطني واستفادة التجار والقطاع الخاص بشكل عام). 

إن السعودة خيرٌ للجميع على المدى المتوسط والطويل، ولسوف تؤدي (محاربة التستر) بقوة إلى دخول الألوف من السعوديين لقطاعات التجارة والخدمات كأرباب عمل ينمو بقوة في سنوات قليلة ليصبحوا رجال أعمال، لا مجرد متسترين يأخذون الفتات، أو عاطلين يُخلّفون الكثير من الأمراض الاجتماعية والاقتصادية. لا تحسبوا (السعودة) شرّاً لكم أيها التجار، بل هي الخير كله.