في ظل خلط الأوراق في المنطقة العربية والسعي الحثيث إلى خلق استقطاب حاد فيما بين الدول العربية، ومنها دول الخليج أولاً وبينها وبين الدول الإسلامية مثل تركيا وباكستان وغيرها ثانياً علاوة على الاستقطاب العميق الحاصل فعلاً بسبب دعم إيران الإرهاب والتخريب، وتدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية مثل العراق وسورية ولبنان واليمن ودول الخليج، وإمعاناً في خلق استقطاب ومحاور عداء جديدة ضد دول الخليج وفي مقدمتها المملكة زعيمة العالم العربي والإسلامي وما تمثله من ثقل محلي وإقليمي ودولي في المجالات كافة، فإن اختفاء الأستاذ جمال خاشقجي بالصورة الدراماتيكية التي تبناها محور خراب السفينة المتمثل في نظام الحمدين وقناتهم قناة الجزيرة والإعلام المنضوي تحت مظلة الإرهاب الإيراني متبعين نفس أسلوب الردح الذي استخدموه لإثارة شعوب دول الربيع العربي الذي كانت نتيجته خريفاً يقطر دماً. إنهم يسعون من خلال الردح والكذب والتهييج وإثارة الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي للإساءة إلى المملكة متناسين أن المملكة صخرة صلبة تتحطم على جنباتها كل المؤامرات والأكاذيب كما تحطمت على جنباتها أكاذيب ومؤامرات من سبقهم، الذين كنسهم التاريخ من دون رجعة وهذا سوف يكون مصير كل متآمر وضلالي وخائن وكذاب.

لقد نسوا أو تناسوا أن جمال خاشقجي ذهب إلى الخارج بإرادته وأنه لم يكن معارضاً ولم يرتكب ما ارتكبه غيره من مغالطات وسب وذم وقطيعة بل كان يصنف نفسه بأنه مواطن لديه وجهة نظر مختلفة فقط، ولذلك لم يكن مطلوباً أصلاً حتى يتم اختطافه أو قتله. والاحتمال الوارد هو أن نظام الحمدين أو إيران أو حزب الله في لبنان أو نظام الأسد أو جميعهم قد ساوموا خاشقجي على أن ينحاز إلى صفهم وأن يشكل تنظيماً معارضاً من صنعهم ضد المملكة، ولما رفض وأبدى رغبة في العودة أصبح البديل لديهم اختطافه أو تصفيته وإلصاق التهمة بالمملكة، وذلك لشق العلاقات السعودية - التركية، ودفع تركيا إلى جانبهم ضد المملكة بصورة أكبر.

من خلال ذلك السيناريو يمكن أن نشير إلى أن أهم المستفيدين الذين لهم مصلحة من اختفاء جمال خاشقجي يشمل كلاً من إيران وحزب الله ونظام الحمدين والنظام السوري وإسرائيل، بالإضافة للدولة العميقة في تركيا وأجهزة مخابرات دول وأطراف أخرى والتي تسعى للإضرار بالمملكة وتركيا، ناهيك عن احتمال أن يكون هناك عناصر من المخابرات التركية على صلة بأحد تلك الأطراف المستفيدة ولها دور محوري في العملية، خصوصاً إذا ثبت أن من أُدعي بأنها خطيبته المسماة خديجة جنجيز لها صلة بالمخابرات التركية ولا شك أن التحقيق معها سوف يكون أحد مفاتيح حل لغز ما حصل. إن تلك الواقعة تهدف إلى ضرب عصفورين بحجر واحد، وذلك يتمثل في عزل تركيا وضرب اقتصادها من جهة، وعزل المملكة من جهة أخرى، فكلاهما مستهدف.

إن خطط إشعال الحرب في المنطقة تتم على قدم وساق، وهذا يحتاج بالطبع إلى تعظيم الاستقطاب والتنافر وضرب العمق الاستراتيجي للدول المستهدفة من خلال تفكيك أواصر الصلة والصداقة بين الدول الفاعلة، ومن ثم النفخ في النار حتى تشتعل. والتاريخ على مر العصور يشهد على نجاح مثل ذلك السيناريو إذا غابت الحكمة وبعد النظر.