منذ أن تأسست المملكة وهي تعيش الاعتدال والوسطية، وقد واجه الموحد، الملك عبدالعزيز - رحمه الله - التشدد والغُلو الذي وقف أمام التحديث الذي يريده القائد لشعبه، لكنه واصل بناء الدولة الحديثة.

ثم جاء أبناؤه الملوك من بعده يتعاملون مع الفكر المتشدد بحكمة وحزم إن تطلب الأمر ذلك. وتم فتح التلفزيون ومدارس البنات وكانت قرارات مصيرية عادت لمستقبل الوطن بالعلم والثقافة ومواكبة الإعلام الحديث. ولكن التطرّف والتشدد يعودان من جديد ليبثا الأفكار الظلامية التي تعتمد على تراث مغلق مرجوح فقهياً، ومن ذلك فتنة الحرم واقتحامه وكانت الأهداف سياسية تلبس عباءة الدين للتأثير على البسطاء والعاطفيين، وانتهت ولله الحمد. حتى عاد الفكر السياسي الإخونجي والسروري ليبث سمومه في مؤسسات التعليم والجوامع والمساجد ويخلق ربكة في المجتمع لتحريم كل شيء ومراقبة الناس والتجسس عليهم ومنع المباحات ورفع راية الجهاد والحرب على الدولة، واستغل الإخوان القاعدة وداعش لتكون الأذرع المخفية للعمليات العسكرية باختراق أيضاً من المخابرات العالمية.

وجاء خادم الحرمين الشريفين بخبرته الطويلة في الحكم، وولي عهده الذي يمثل الأمل والمستقبل لحسم ملفات ظلت عالقة من أجل التطوير وبالذات ما يتعلق بالمرأة. لكن المشكلة في الفهم الخاطئ لكثير من المتغيرات، فالطالب يلقن تحريم الموسيقى والسينما وهو يشاهد الموسيقى في كل مدينة والسينما قد بدأت. كذلك يقال له إن كشف الوجه حرام ويطلب من الطالبات والمعلمات وعضوات هيئة التدريس لباس متشدد مرجوح فقهياً فيعيش الارتباك والاضطراب وهو يرى تزايد مشاركة المرأة في العمل والتمنية بكل أدب وحشمة. كما أن الاحتفال بيوم الوطن محل سعادة، لكن الفتاوى تعود للتداول بتحريم ذلك وجاءت فتوى الشيخ المغامسي لتوضح ما يحتاجه الناس بجواز ذلك. وحتى قاضي محكمة استئناف رفض تزويج معلم لسيدة عمرها 38 سنة، سمعنا حديثها لأن هذا المعلم شوهد قبل سنوات يعزف عوداً.

لذا فإن الحاجة ماسة لمراجعة الفتاوى وضخ دماء جديدة في الهيئات الدينية تأخذ بالتنوع الفقهي وبرؤية 2030 الوسطية، وبدون ذلك سيظل الارتباك في المجتمع مجالاً للأحزاب السياسية المتدثرة بالدِّين للتشويش على الناس، وإعاقة الروح الموحدة والنهضة الشاملة التي تريدها القيادة الرشيدة.