يُروى أن نقشاً فرعونياً مكتوباً باللغة الهيروغليفية تمت ترجمته فوجد العلماء أن الكلمات المنقوشة كانت تقول: «كم هم متعبون شباب هذه الأيام!» ولا شك أن الاختلاف الأزلي في المفاهيم بين الأجيال موجود منذ قدم التاريخ حتى زماننا المعاصر. وفي مقالة اليوم نناقش قضية هذه الاختلافات بمنظور جديد في بيئات العمل.

«لن تنتصر على رئيسك في العمل»، «إنهم يطلقون النار على المدير»، تلكم عناوين كتب تناقش الصراع الأزلي والعلاقة بين المديرين وموظفيهم، بين القادة والأتباع وبين كل مسؤول ومن يعمل تحت إمرته. وفي حين أن النمط الأزلي الذي تعودنا عليه في كثير من الثقافات والبيئات الأكاديمية هو الانصياع التام لآراء الأكبر سناً؛ كونهم أكثر تجربة ودراية من الأجيال الناشئة. وعلى هذا كان الموجه يزور المدارس ليعطي من خبراته ونصائحه للمعلمين. ولكن هل سمعتم من قبل بالإرشاد العكسي «Reverse Mentoring»؟

يقضي هذا المبدأ بأن على الرؤساء التنفيذيين أن يتعلموا ويستفيدوا من توجيهات الموظفين صغار السن في أمور يكون فيها الشباب أكثر دراية وخبرة من كبار السن مثل التواصل الاجتماعي والتقنيات والتوجهات العامة في المجتمعات.

ولكن، ما فوائد الإرشاد العكسي؟ بداية، مساعدة المديرين على فهم الواقع والسوق واحتياجات العملاء أو الزبائن خاصة في مجتمعات يشكل الشباب فيها الأغلبية من التعداد السكاني. وهذا بدوره سينعكس بقوة على قدرة الشركة أو المؤسسة في تقديم خدمات ومنتجات أفضل تحسن من مبيعاتها ورضا المستفدين من خدماتها. من الفوائد أيضاً منح الثقة للشباب في الشركة أو المؤسسة وتمكينهم لإعداد جيل قادم من القادة الذي سيتسلمون دفة القيادة.

وهنا قد يتساءل البعض: هل يستطيع جميع المديرين كبار السن تقبل الإرشاد العكسي؟ ولا جواب، بطبيعة الحال هو: لا. فالبعض كلما تقدم في السن أصبح أقل تقبلاً للاستماع للآراء الأخرى وأكثر تشبثاً بقناعاته بناء على تجاربه. ولعل المعضلة هنا هي كما يقول أحد الزملاء الشباب وهو يشتكي من قيادات تحجر تفكيرها في مؤسسته الحكومية: «كيف تأمل من أناس ينتظرون التقاعد أن يفكروا أو يحملوا همّ مستقبل ليس يعيشون فيه ولن يتأثروا بما سيحصل فيه؟».

ولعل من أفضل من كان يحسن التعامل مع الموظفين الشباب مؤسس شركة آبل ستيف جوبز، والذي كان يقضي وقته في الجلوس مع الموظفين ونقاش أفكار المنتجات الجديدة والخدمات المبتكرة. وعندما سأله المذيع في برنامج تلفازي: «هل تفرض آراءك على الموظفين؟ هل يملك أي منهم الجرأة على أن يقول لك إنك مخطئ؟» فما كان من ستيف إلا أن تبسم وأجاب: «بالطبع! يحصل ذلك كثيراً. على المدير في مثل هذه النقاشات الإبداعية الخلاقة أن ينسى الكرسي، يجب أن تكون الغلبة والقوة للأفكار وليس الكراسي!».

وباختصار، تظل الخبرة والحكمة ذات أهمية قصوى ولكن لا يجب أن تكون عائقاً أمام الإبداع والأفكار الجديدة..