قبل نحو 1400 سنة استقبل النبي وفداً مهيباً من النصارى، يتقدمهم القساوسة وكانت معاملته لهم معاملة مختلفة فيها العزة والشموخ بالمبادئ مع الحوار والتعايش والاحترام والشفافية، فقد روى الشيخان أن «العاقب والسيد» - قساوسة النصارى - صاحبي نجران جاءا إلى النبي يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبياً فلاعنّاه لا نفلح نحن ولا عقِبُنا ولكن نعطيه ما سألنا ويبعث معنا رجلاً أميناً فقال: «قم يا أبا عُبيدة هذا أمين هذه الأمة» وللحادثة روايات أخرى فيها أنهم دخلوا وثيابهم مهيبة حتى قال الصحابة: ما رأينا وفداً مثلهم وحانت صلاتهم فقاموا في مسجده يصلون فقال: «دعوهم» فصلوا إلى المشرق ثم ناظروه في عيسى، وأنه إله معبود لأنه وُلد من أمٍ بلا أبٍ فردّ عليهم (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) أي كيف لا تعجبون من آدم فهو بلا أم ولا أب! وقالوا: صف لنا ربك؟ أمن زبرجد أم ياقوت فرد عليهم بسورة الإخلاص. وصحح جمعٌ من العلماء كابن القيم رواية صلاتهم في المسجد النبوي. ومن إضاءات هذه الحادثة: أن الاعتزاز بالهوية والثبات على العقيدة والمبادئ لا يعني سوء التعامل مع الآخر ولا يتعارض مع التنزل له في الحوار بالحسنى. وفيه الحِجَاج بالتاريخ والعقل في الاستشهاد فألزمهم بخلق آدم. وفيه سماحته ورحمته بأمة الدعوة مع أنه كان القوة العظمى إلا أنه حاور بالحسنى الأقليات غير المسلمة التي في عهده، واحترم اختلاف المعتقد وسمح لهم بإبداء رأيهم وفي المسجد النبوي مع بشاعته بكل حرية وشفافية وموضوعية في قضايا كبرى كالألوهية. وفيه دعم القائد للشباب واستشرافه لصفاتهم القيادية وتنميتها ومنحهم الثقة في مهام قيادية كما فعل مع أبي عُبيدة وأسامة ومعاذ. لقد ضرب نبي الرحمة أعظم نماذج التواصل والتعايش مع الأديان الأخرى من غير الأعداء والمحاربين له مع الثبات والاعتزاز بالمبادئ. فسياسياً أثنى على النجاشي ملك الحبشة النصراني ووصفه بالعدل، وأرسل أصحابه إليه واستقبل السفراء والوفود ومنحهم الأمان والإكرام. وثقافياً أمر زيداً أن يتعلم لغة اليهود. واجتماعياً كان جاره يهودياً وخادمه غلاماً يهودياً يدخل بيت النبوة بكل احترام وأمان. واقتصادياً عامل أهل خيبر تجارياً، ومات ودرعه مرهونةٌ عند يهودي. إن هذه الحقائق عن تعايش الإسلام وانفتاحه غائبة عن الإعلام الغربي بل يُرسّخ فيه ربطه بالإرهاب والعنف، بينما أثبت التاريخ أن رسول الإسلام أسّسَ منطلقات الحوار والتواصل مع الأديان والتعايش الحضاري الراقي بين البشر. وهذا يؤكد أصالة واتزان وعمق نهج المملكة في حوارها مع الآخر بقيادة خادم الحرمين الشريفين، وأكّده سمو ولي عهده الأمين - حفظهما الله - في رؤية 2030 وفي حواراته لوسائل الإعلام الغربية المختلفة وآخرها «بلومبيرغ» حيث حضرت معاني السيادة والشموخ بالإسلام دين الوسطية المنفتح على العالم، والاعتزاز بقيمنا الوطنية مع الحوار الراقي والشفافية والمنطق، والحِجَاج بالحقائق والتاريخ كالرد بوجود المملكة قبل أميركا تاريخياً، وحوار قادة المملكة سيبقى أنموذجاً لصناعة شخصية وفكر وهوية أجيالنا القادمة.