الجامعات هي مصنع العقول والكفاءات، والدولة تعتمد بشكل كبير على مخرجات مؤسسات التعليم الجامعي في إمداد سوق العمل الحكومي والأهلي بتلك الكفاءات، ومع رؤية المملكة العربية السعودية 2030، وجدت وزارة التعليم نفسها بحاجة إلى إيجاد نظام جديد للجامعات يتضمن العديد من المبادئ التي تقوم عليها رؤية المملكة وكذلك ليحل محل نظام مجلس التعليم العالي والجامعات والذي مضى على تطبيقه أكثر من ربع قرن من الزمان، كما حرصت الوزارة على وضع مشروع نظام يحقق الاستقلالية والتمايز بين الجامعات، ولذا حرصت جريدة «الرياض» على الالتقاء بأحد مسؤولي وزارة التعليم الذين عاصروا تطبيق النظام الحالي، وشارك بفاعلية في إعداد مشروع النظام الجديد للجامعات، تلتقي الرياض بالدكتور محمد بن عبدالعزيز الصالح الأمين العام السابق لمجلس التعليم العالي، وأمين عام اللجنة المؤقتة القائمة بأعمال مجلس التعليم العالي، وسنسلط الضوء مع الدكتور الصالح على عدد من الجوانب المتعلقة بمشروع النظام الجديد للجامعات.  

الإبقاء على السلالم الوظيفية للموظفين وأعضاء هيئة التدريس ولن يتم تحويلهم لنظام العمل

  • النظام الجديد للجامعات يمثل نقلة مفصلية في مسيرة التعليم الجامعي، ألا تعتقدون أن عدداً كبيراً من جامعاتنا قد لا تكون جاهزة للعمل وفق هذا النظام الجديد؟

  • عند صدور النظام الجديد للجامعات، لن يطبق على جميع الجامعات، بل إن جميع الجامعات سوف تستمر وفق نظام مجلس التعليم العالي المعمول به حالياً، وسوف يضع مجلس شؤون الجامعات الضوابط والمعايير اللازم توفرها في أي جامعة لكي تعمل تحت نظام الجامعات الجديد، جميع اللجان والمجالس العليا التي درست مشروع النظام لا يخفيها أن غالبية الجامعات لدينا لم تصل بعد إلى الجاهزية لتعمل وفق النظام الجديد، ولذا سيقوم مجلس شؤون الجامعات بتحديد عدد قليل من الجامعات لتعمل وفق النظام الجديد، وسيقوم المجلس بتقييم التجربة ومن ثم إضافة جامعات أخرى بشكل تدريجي بعد التأكد من جاهزيتها للعمل وفق نظام الجامعات الجديد.

ترشيح العمداء ورؤساء الأقسام وفق آلية تضمن التنافسية

أما بالنسبة للجامعات الأخرى التي لن تعمل وفق النظام الجديد في المرحلة الأولى فسوف يستمر مجلس شؤون الجامعات بتطبيق الأنظمة واللوائح المعمول بها حالياً بما في ذلك نظام مجلس التعليم العالي والجامعات والصادر العام 1414هـ وذلك على الجامعات غير المشمولة بتطبيق مشروع النظام الجديد إلى حين شمولها به.

  • هل سيطبق النظام الجديد بشكل مباشر على الجامعات؟

  • لقد توصلت اللجان والمجالس التي درست مشروع نظام الجامعات إلى مناسبة منح الجامعات التي سيطبق عليها النظام فترة انتقالية لمدة سنة من تاريخ نفاذ هذا النظام يستمر فيها العمل باللوائح الجامعية الحالية إلى حين قيام مجلس شؤون الجامعات بوضع القواعد العامة والتي سيتم في ضوئها وضع اللوائح المالية والإدارية والأكاديمية للجامعة والتي سيصدرها مجلس الأمناء، كما سيكون لمجلس شؤون الجامعات تمديد الفترة الانتقالية لثلاث سنوات أخرى عند الحاجة لأي من تلك الجامعات لذلك، وقد تضمن مشروع النظام الجديد على مادة تؤكد على ذلك.

مجلس الأمناء يسهم في تحقيق الاستقلالية أكاديمياً ومالياً وإدارياً

  • كيف سيتم تمويل الجامعات مع الاستقلالية المنشودة لها؟

-بالفعل الجامعات في ظل النظام الجديد سوف تتمتع بشخصية معنوية مستقلة ذات ذمة مالية وسيكفل لها النظام الاستقلال التام علمياً ومالياً وإدارياً، كما سيكون لها ميزانية سنوية مستقلة يصدر بها قرار من مجلس الأمناء.

وعلى الرغم من الاستقلالية المالية للجامعات والتي يركز النظام الجديد على تحقيقها على المنظور المتوسط والبعيد، إلا أن الدولة لن تتوقف عن تمويل الجامعات، حيث سيكون تمويل الدولة من خلال إعانات كبيرة لا تختلف كثيراً عن حجم المبالغ التي تعتمدها الدولة حالياً في ميزانية كل جامعة، وسيكون ذلك وفق القواعد المنظمة لبرنامج تمويل الجامعات والذي سيضعه مجلس شؤون الجامعات.

إضافة إلى ذلك سوف تتكفل الدولة بالرسوم المالية عن المقاعد الدراسية للسعوديين في برامج البكالوريوس التي يحتاجها سوق العمل.

إلزام الجامعات بالاعتماد الأكاديمي وبالجودة وفق مؤشرات الأداء

  • كيف سيتم تمكين الجامعات من تنمية مواردها المالية؟

  • كما أشرت سابقاً، فإن الاستقلالية المالية لا تعني مطلقاً الاستغناء عن تمويل الدولة، فالدولة سوف تستمر في تمويلها للجزء الأكبر من احتياجات الجامعات، ويمكن أن يتناقص التمويل الحكومي للجامعات سنوياً مع تنامي حجم الموارد المالية الذاتية، ومن وسائل التمويل الذاتي للجامعات السماح لها بإنشاء الشركات، حيث سيسمح للجامعة بأن تنشئ شركة أو أكثر، ويمكن أن تكون الشركة مملوكة للجامعة بالكامل أو بالمشاركة مع جهات حكومية أو مع القطاع الخاص، كما سوف يسمح للجامعات بإنشاء برامج للأوقاف، كما سيسمح لها أن تتقاضى رسوماً دراسية على برامج الدراسات العليا وكذلك على الدبلومات والدورات التعليمية والتدريبية، وكذلك رسوماً دراسية على الطلبة غير السعوديين من مرحلة البكالوريوس، كما سيسمح للجامعات القيام ببحوث علمية وتقديم خدمات استشارية مقابل مبالغ مالية.

  • يتحدث الكثير عن تحول منتسبي الجامعات وأعضاء هيئة التدريس إلى نظام العمل، هل من تعليق على ذلك؟

-هذا الكلام ليس صحيحاً على الإطلاق، فعند صدور الموافقة السامية على النظام الجديد، سوف يستمر جميع منتسبي الجامعات بمن فيهم أعضاء هيئة التدريس ومن في حكمهم والموظفين والإداريين والفنيين القائمين على رأس العمل وقت نفاذ هذا النظام على أنظمتهم الوظيفية التي يخضعون لها، وسوف يقوم مجلس شؤون الجامعات بعد التنسيق مع الجهات ذات العلاقة بوضع الترتيبات اللازمة للتعامل معهم وسيرفع بذلك للجهات العليا لإكمال اللازم في شأنه، وأستطيع أن أؤكد لك بأن المعينين الجدد بعد صدور النظام الجديد هم الذين قد يكون ارتباطهم بالجامعات بعقود وفق نظام العمل، أما جميع منتسبي الجامعات ممن هم على رأس العمل قبل صدور النظام فسيبقون على السلالم الوظيفية التي يخضعون لها، وسوف يتم تخييرهم بين البقاء على السلالم الوظيفية التي يخضعون لها أو التحول لنظام العمل مع تقديم بعض المحفزات المالية وذلك وفق القواعد العامة التي سيقرها مجلس شؤون الجامعات في هذا الخصوص، كما سبق أن أوضحت.

  • مجلس الأمناء تجربة جديدة في الجامعات الحكومية، هل يمكن تسليط الضوء على هذا المجلس؟

    • تقوم فلسفة النظام الجديد على الاستقلالية الأكاديمية والمالية والإدارية التي سوف تتمتع بها الجامعات.

وسيتم تحقيق تلك الاستقلالية المنشودة لكل جامعة من خلال مجلس سيتم إنشاؤه في كل جامعة يسمى (مجلس الأمناء)، حيث سيناط بهذا المجلس وضع وإقرار جميع لوائح الجامعة المالية والإدارية والأكاديمية، وبدلاً من أن يكون هناك مجلس واحد للتعليم العالي يضع اللوائح الموحدة لجميع الجامعات وكذلك إقرار الأهداف العامة للجامعة، سيكون لكل جامعة المجلس الخاص بها والذي سيضع اللوائح المناسبة لها وفق إمكانات وحجم وتطلعات الجامعة، وهو ما سيؤدي إلى اكتساب الجامعة ميزة تنافسية تتحقق من خلال التميز والتمايز بين الجامعات، كما سيكون من مهام مجلس الأمناء إقرار ميزانية الجامعة، وكذلك إقرار الهيكل التنظيمي للجامعة، وإقرار القواعد المنظمة للاستثمار وتعزيز الموارد الذاتية للجامعة، وكذلك إقرار إنشاء الكليات والأقسام العلمية والعمادات في الجامعة.

وسوف يتشكل مجلس الأمناء من أربعة أعضاء من ذوي الخبرة والاختصاص ممن عملوا في مجال التعليم، وثلاثة أعضاء من القطاع الخاص متخصصين في الجوانب المالية والاستثمارية والقانونية ومدير الجامعة، وكذلك ثلاثة من أعضاء هيئة التدريس يرشحهم مدير الجامعة، ومن خلال هذا التشكيل لمجلس الأمناء وكذلك المهام المناطة به، استطيع أن أؤكد لكم أن الجامعات في المملكة سوف تحظى بالكثير من المرونة والاستقلالية في إدارة كافة شؤونها، كما سيؤدي ذلك إلى تحريرها من الكثير من الإجراءات البيروقراطية المرتبطة بأجهزة حكومية أخرى.

وبالإضافة إلى مجلس الأمناء، سينشأ في كل جامعة مجلس للجامعة يتولى تصريف الشؤون العلمية والتعليمية والإدارية والمالية وفقاً لما يصدره مجلس الأمناء من قرارات.  

  • هل ترون أن النظام الجديد سوف يرتقي بالجودة في مؤسسات التعليم الجامعي؟

  • بكل تأكيد، النظام الجديد سوف يلزم الجامعات بالحصول على الاعتماد المؤسسي من هيئة تقويم التعليم، كما أنه يلزم الجامعات أيضاً بالحصول على الاعتماد البرامجي من هيئة تقويم التعليم أو من قبل إحدى الهيئات الدولية التي تعتمدها الهيئة.

إضافة إلى ذلك، سوف يحرص مجلس شؤون الجامعات على تقويم أداء الجامعات والتأكد من جودة مخرجاتها وفق مؤشرات أداء يضعها المجلس بالتنسيق مع هيئة تقويم التعليم والجهات الأخرى ذات العلاقة.

  • ترشيح العمداء ورؤساء الأقسام يتم حالياً من قبل إدارة الجامعة، فهل سيستمر ذلك عند تطبيق النظام الجديد؟

  • حرصاً على تطبيق مبدأ التنافسية كأحد أهم المبادئ التي تقوم عليها رؤية المملكة 2030، تضمن مشروع النظام الجديد للجامعات بأن ترشيح العمداء وكذلك رؤساء الأقسام سيتم عن طرق لجان تسمى «لجنة اختيار العمداء» و»لجنة اختيار رؤساء الأقسام»، وسوف يحدد آلية عملها وفق القواعد التي يضعها ويقرها مجلس الأمناء.

  • هل سيكون لطلاب الجامعة صوت مسموع في ظل النظام الجديد للجامعات؟

  • حرص مشروع النظام الجديد للجامعات على توسيع مساحة المشاركة في وضع القرار من خلال إنشاء عدد من المجالس الاستشارية وهي المجلس الاستشاري الطلابي ويرأسه أحد وكلاء الجامعة، وكذلك مجلس أعضاء هيئة التدريس ويرأسه مدير الجامعة، وأيضاً المجلس الاستشاري الدولي والذي سيكون ضمن أعضائه خبراء ومتخصصون غير سعوديين.

  • ما المراحل التي مر بها مشروع النظام الجديد للجامعات؟

  • مشروع نظام الجامعات الجديد يعد أحد برامج التحول الوطني، والذي من خلاله حرصت الوزارة على تضمين المشروع للعديد من المبادئ التي ارتكزت عليها رؤية المملكة.

وبتوجيهات من معالي وزير التعليم الدكتور أحمد العيسى، والذي يعد عراب نظام الجامعات الجديد، تم الحرص على توسيع قاعدة المشاركين في إعداد المشروع، ففي البداية تم إعداد مشروع أولى للنظام وذلك استناداً على مشروع نظام المجلس الأعلى للجامعات والذي سبق أن دُرس في مجلس الشورى العام 1426هـ، وتم إرسالة للجامعات للوقوف على مرئياتها، كما تم عقد أكثر من ورشة عمل لمديري الجامعات برئاسة معالي الوزير، كما نوقش المشروع في العديد من المجالس العليا واللجان وهيئة الخبراء بمشاركة عدد من الأجهزة الحكومية ذات العلاقة وبتوجيه من مجلس الشؤون الاقتصادية، تم وضع مشروع النظام على موقع الوزارة على الشبكة العنكبوتية لمدة شهر، حيث بلغت المرئيات الواردة على المشروع ما يزيد على الألف ومئتين (1200) صفحة، وبعد ذلك تم مناقشة المشروع في أروقة اللجنة الدائمة لمجلس الشؤون الاقتصادية، وشُكل له لجنة وزاوية من خمسة وزراء لمناقشته، وبعد ذلك تم الرفع بالمشروع من الوزارة للمجلس، حيث تم مناقشته بمشاركة هيئة الخبراء، وتم الآن إحالته لمجلس الشورى، حيث أبدى أعضاء المجلس خلال الأسابيع الماضية العديد من الإضافات النوعية للمشروع، وبعد انتهاء مجلس الشورى من دراسته سيتم الرفع به للمقام الكريم.

  • هل من كلمة أخيرة لهذا اللقاء؟

  • سبق أن صدر الأمر السامي بإلغاء مجلس التعليم العالي قبل ثلاث سنوات، وأُنشئ بدلاً منه لجنة عليا مؤقتة تقوم بتسيير العمل في الجامعات، ولكن بصلاحيات محدودة جداً.

ولذا نتطلع إن شالله أن يرى مشروع نظام الجامعات الجديد النور قريباً ليسد الفراغ الذي تعيشه الجامعات، وليعطي الجامعات الانطلاقة المنشودة التي تحقق لها التميز والتمايز، والذي يحقق لها المرونة والاستقلالية في شؤونها الأكاديمية والإدارية والمالية، حتى يجعلها تحقق تطلعات الدولة منها في ظل رؤية نفتخر بها جميعاً كسعوديين، وبدعم كبير من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده سمو الأمير محمد بن سلمان رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية.