في يومنا هذا أضحى الحب كامناً بين الحنايا لا يفارق قفصاً محكماً، بالرغم من البحث الدائم عن فردوسه، فمن قال إن سرعة إيقاع العصر وتبدل الأحوال بين الفينة والأخرى أثقلت كاهل البشر، أعتقد أنه يجافي الصواب، فسابقونا كانوا أشد فقراً وأشد حباً!

عندما احتفل العالم بيوم الحب هذه الأيام، ونثر الورد زنابقه في شوارع الدنيا ابتهاجاً بنشوء هذه العاطفة السامية على وجه الأرض، اعتقدنا أن سنابك الخيل ستقدح الشرر سعياً إلى المحبين وإلى الولهين وأمناء سر البهجة والمتعة! ولكننا وجدنا أن كل باب خلفه قصة كما يقال! فهل تلاشى الحب؟ وهل أشاح الأزواج بوجوهم عن نسائهم!

والحقيقة أننا وفي خضم هذا الزمن الطاحن والعدسات التي تنشر الدماء على الأرصفة جعلنا نعتقد أن الحب قد توارى خلف ستائر الحرب وخلف معاناة الحياة سريعة اللهاث خلف كل ما هو مادي، وقد يسارع البعض بتأييد هذا القول؛ لكن الومضات البراقة في حنايا القلوب لن تنطفئ مادام هناك فطرة إنسانية تعاند القبح والدمار.

الحب له وهج يبحث عنه العامة قبل الخاصة، لأن الله سبحانه وتعالى لم يفطر قلب البشر إلا على ما يعمر الأرض، فالحب في مجمله هو الونس من وحشة الحياة، ولذلك خلق الله حواء لآدم عليه السلام لتؤنسه في معاناته من وحشة الأرض الفارغة عداهما، ومن هنا نكتشف أن معنى الأنس بمفهومه الفلسفي هو كنه الحب ومادته بين عموم البشر الذين لا يزالون حتى يومهم هذا في بحث أزلي عن معنى الحب!

وقد ربط كثير من الفلاسفة بين الحب والسعادة رباطاً وثيقاً، لأنه يعتمل من وجهة نظرنا على ذلك التفاعل الكيميائي بفعل وظيفة من وظائف المخ البشري وخاصة ما يسمى (الأميجدالا) التي تتفاعل مع الحواس الخمس فتجعل الإنسان يتقلب بين اللذة والكدر بحسب مدخلاتها! ونحن شعوب قولية بطبيعة الحال نتأثر بما يخترق آذاننا، ولذلك قال الشاعر: "الأذن تعشق قبل العين أحياناً"، ونحن نقول: إن الأذن تمقت قبل العين أحياناً! وللقول مداه في ثقافتنا بين المحبين وخاصة الأزواج منهم وتلك كارثة ثقافية!

وللفيلسوف سقراط رأي في الحب حيث جعله يتراوح بين السعادة والشقاء حيث قال: "تزوّج يا بني فإن وُفِقتَ في زواجِك عِشت سعيدًا، وإن لم تُوّفق أصبَحتَ فيلسوفًا". وهذا على عكس ما رآه أفلاطون الذي نظر للحب نظرة مثالية رقيقة تفاؤلية إذا ما كان هذا الحب بعيداً عن الشهوة والأغراض؛ فالحب من وجهة نظره هو ما يجعل الفرد منا في أوج النجاح، ولكنه اشترط أن يكون الحب ذا مشاعر فطرية بحتة بعيد عن الشهوات. ولكنه في جمهوريته الفاضلة حرمه على محاربيه، لأنه يرى أنه يجعلهم يبكون وهو ما يضعف قلوب جنود الجمهورية!

وهذا رأي فيه قول، لأن تراثنا يزخر بلهيب أشعار المحبين الذي خلدوا بيننا بروائعهم وهم مبدعون وفرسان وأبطال فتوحات وعلى سبيل المثال قول عنترة:

وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ

مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي

فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها

لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ

كما أن فرسان موروثنا الشعبي كانوا يصطحبون معهم نساءهم في المعارك، لأن ذلك يجعل الفارس أشد قوة وأشرس فتكاً أمام المرأة التي اقتنت قلبه ومشاعره!

وفي يومنا هذا أضحى الحب كامناً بين الحنايا لا يفارق قفصاً محكماً بالرغم من البحث الدائم عن فردوسه، فمن قال إن سرعة إيقاع العصر وتبدل الأحوال بين الفينة والأخرى أثقلت كاهل البشر، أعتقد أنه يجافي الصواب، فسابقونا كانوا أشد فقراً وأشد حباً! كما أن النكتة الرائجة على الزوجة التي يتبادلها الجالسون كنوع من الدعابة قد عملت على برمجة عصبية ضد الزوجات ولا ننسى الشكوى الدائمة في المجالس والمقاهي وغير ذلك من الوسائل الناقلة للمعنى، قد خلقت نوعاً من الندية بين الرجل وزوجته فأصبح يراها بمعنى الشريك، والشراكة هنا تحمل معنى مناصفة العيش والحرية والسطو على الحياة، ولم تعد تحمل معنى شريك الأتراح والأفراح. ولذا نجد الرجل يهرع خارج المنزل، والشباب المحبون يجنحون عن الزواج ويسود المثل القائل للأسف الشديد (الزواج مقبرة الحب) وهي مقولة هادمة للمجتمعات وللأسر وللحنان المتبادل بين الأزواج، بالرغم من أننا إذا تأملنا أن المرأة خلقت من ضلعه الأصغر لعرفنا أنها خرجت من تحت جناحه ومن أقرب عضو لقلبه، فتظل المرأة تبحث عن فردوسها المفقود وهو الساكن الدائم إلى جوار القلب القديم لكنها سرعان ما تجد جفوة وفجوة نتاج ما يدار في مجالسنا، فيكثر الطلاق، وتنتشر العنوسة وتمتلئ بيوتنا بفاقدي الأب أو الأم جراء ثقافة بائسة ونكتة عابرة وشكوى ملتوية وهم لا يعلمون أنه الحقن تحت الجلد، فاستوصوا خيراً بالنساء فإنهن شقائق قلوبكم، وأهدوهن زهرة في يوم القلب.