منذ عقود وأصوات محبي الفنون في المملكة تتعالى مطالبة الجهات المختصة بإنشاء متحف للفنون، ويتوجّد البعض منهم على الحال مقارناً بين المملكة وبين الدول الأوروبية التي لا تكاد تخلو مدينة فيها من المتاحف. لكن ما نسيه الجميع هو أن معظم متاحف العالم الشهيرة بدأت بمجموعات شخصية وبتمويل فردي ثم تحوّلت إلى ثروة قومية حافظت عليها حكومات تلك الدول ولنا في متحف اللوفر خير شاهد على ذلك. كما ينسون أن عليهم مسؤولية كبيرة في تشجيع أصحاب المبادرات الخاصة بالاعتراف بأهميتها أولاً، و وبدعم منشآتهم بزيارتها والترويج لها والاستشهاد بها كمثال في مطالباتهم لتشجيع الجهات الحكومية على تحقيق مطالبهم.

لا يعلم الكثيرون -أو لعلهم يعلمون لكنهم يسقطون أهميته كونه قام بتمويل شخصي- أن دارة صفية بن زقر في جدّة هي أول متحف للفنون بني خصيصاً لهذا الغرض، حيث بدء نشاطه عام 1995م وتم افتتاحه رسمياً عام 2000م شرف صاحب السمو الملكي الأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة، ورغم أنّه من أنواع متاحف الفنان الواحد إلاّ أنّه يعمل بنفس المنظومة العالمية للمتاحف وإن كان بفريق عمل أصغر بكثير. كما أن فائدته تعمّ الجميع حيث يضم أقساماً أخرى تقدم خدماتها للجمهور بلا مقابل ويدير مسابقة سنوية للأطفال لتشجيع المواهب الفنية وغرس حب التراث المحلّي من حيث الموضوعات المختارة بعناية.

حيث يضم المتحف إلى جانب أعمال الفنانة صفية قسماً هاماً للمقتنيات التراثية من ألبسة وأدوات يعود بعضها لما يزيد على مئة عام استخدمت الفنانة عدداً منها كنماذج لموضوعاتها الفنية، ومكتبة ثرّية جداً للباحثين، ومكتبة للأطفال، وأرشيف، وقاعات للتدريب والورش والمحاضرات، بالإضافة إلى بهو مميز تقام فيه العروض الزائرة، ومتجر للهدايا الفنية.

ولم يهمل القائمين على المتحف أي تفصيل من شأنه أن يثري تجربة الزائر، حيث تم تقسيم الأعمال الفنية والمنتجات التراثية إلى قاعات حسب الموضوع، كما زوّدت ببطاقات تحمل معلومات وافية وشاملة ومحققة تاريخياً، بل أن اللوحات الفنية تم استغلالها كوسيلة تعليمية حيث حملت البطاقات المعلقة بجوارها شرحاً موجزاً عن موضوع المشهد التراثي (وهو المجال الذي تخصصت فيه الفنانة صفية بن زقر) وفي كتاب عن التراث السعودي أصدرته الفنانة عام 1979م ووفرته مع كتابها الثاني الذي أصدرته عام 1999م للقراء في متجر الدارة.

المميز أيضاً أن كل التفاصيل المعمارية للدارة مدروسة بعناية لتعكس الطابع المحلي وشعور صاحبتها تجاهه، فالمبنى استوحيت خطوطه المستقيمة وواجهاته المستطيلة من قصور مدائن صالح، وبابه الرئيسي استوحيت زخرفته من زخرفة بيت بن زقر الذي عاشت فيه الفنانة في طفولتها، وواجهات العرض الزجاجية مزخرفة بالنقوش الشعبية الخاصة بالمنطقة التي تنتمي إليها القطعة المعروضة بداخلها، كما أن الصناديق الزجاجية للأغراض التراثية التي اعتمدت عليها الفنانة كمصدر للرسم مفصلة بطراز صندوق العروس القديم مع زخرفة خاصة تميز كل منها عن الآخر.

ولم يفت الفنانة ان تشارك الزائر رسومها التحضيرية لأعمالها الشهيرة، فخصصت قاعة لعرض تلك الرسوم والدراسات باختلاف موضوعاتها. وبالرغم من أن هذا المتحف هو متحف شخصي لفنان واحد إلا أنه زيارته تعد بحق تجربة ثرية يجب أن يخوضها كل محب للفنون لينال هذا الصرح حقه من الإشادة والاهتمام. نحن قطعاً لا ننفي حاجتنا إلى المزيد من المتاحف الفنية المتنوعة من حيث المحتوى والتنظيم، إلا أننا لا نرغب بأن نهمّش ما حققه الأفراد المخلصين في رحلة البحث عن الأفضل.

باب دارة صفية بن زقر إلى جانب لوحة تعود إلى أواخر الستينات الميلادية تظهر النقش نفسه في منتصف حليّة الباب
جانب من معروضات قاعة الرسوم التحضيرية والدراسات في دارة صفية بن زقر
جانب من مكتبة الكبار في دارة صفيّة بن زقر
قاعة مخصصة لعرض ثياب تراثية يعود بعضها لحوالي مئة عام
واجهة عرض أخرى مزخرفة بطراز آخر
إحدى قاعات العرض المخصصة لموضوع الثياب التقليدية ويظهر في منتصفها صناديق زجاجية منفذة باستخدام مكائن الخياطة القديمة