في أعقاب الحفل الختامي لمهرجان مسك للفنون تعالت أصوات عدد من الفنانين تطالب بالتكريم، بل وتهاجم القائمين على المهرجان وتتهمهم بالظلم كون التكريم الذي أقامته الجهة المنظمة للمهرجان (معهد مسك للفنون) والمعنون بـ"تكريم الروّاد" لم يشملهم.

تسابق المعارضين -من أجيال متفاوتة- بذكر تاريخ بدايتهم، معارضهم، نشر صور أعمالهم لإثبات "الظلم" الذي تعرضوا له حين لم تتم دعوته للتكريم. حملات تجمع توقيعات الفنانين لرفعها للجهات "المختصة" مطالبين بـ"التحقيق في الأمر". الزميلات من الفنانات أقمن حملة أخرى من الانتقادات العاصفة بسبب غياب أسماء الكثير من النساء المناظرات للمكرمين من الرجال عن التكريم. بعض الفنانين الفاعلين في نشاطات فروع الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون اعتبروا استثناءهم من التكريم "ظلم وطمس" للدور الريادي الذي قاموا به في جمعياتهم، بل ناشدوا بأن تقام لجان مختصة في المحافظات لحصر أسماء الجميع وإصدار اعتذار لهم أو تكريمهم في مناسبة قادمة. بعض معلمي ومعلمات التربية الفنية ممن لازالوا على رأس العمل استنكروا عدم تكريمهم ضمن "رواد" الفن السعودي أيضاً.

العجيب أن كل هذه الهجمة الشرسة، والدعوات المحسورة التي لا تليق بعمر من أطلقها ولا بإنجازاته التي يدعيها، لم يصاحبها على الإطلاق -أو على الأقل بالقدر الذي تحدثوا فيه عن موضوع التكريم- أيّ حسرة من هؤلاء الفنانين أنفسهم على عدم عرضهم لأعمالهم في معارض المهرجان، ولم يعلّق أي منهم على قلة الأعمال الفنية المقدّمة فيه مقارنة بمساحته الفعلية وحجم التجهيزات المعدّة له، ولم يبدِ أحداً اهتماماً ملحوظاً بغياب النصوص الشارحة المصاحبة للمعرض الرئيسي سواء في الكتيب أو على الحائط لتعيد خلق قصة معهد التربية الفنية بالرياض وتجعل الزائر يعيشها من جديد.

لم يخبرنا هؤلاء عن رأيهم في المحتوى المقدّم في الورش والحوارات الفنية، أو حتى موضوعاتها، ولم يثروا العامة من الناس أمثالنا عمّا إذا كانت تلك ترتقي للمستوى المنتظر وهل نجحت في إثراء تجربة المتلقي أم لا، مما يجعلنا نشكّ بأن أحداً منهم يهتم بالحدث الفني نفسه، أو على الأقل بقدر اهتمامه بالتكريم.

الكلّ يعدّ نفسه رائدا، لكن لم نرى بين هؤلاء اتفاق حول مفهوم الريادة، كما لم نلمس محاولة جادّة لتحديد هذا المفهوم ومعاييره أولاً بقدر الجهد المبذول في إثبات استحقاق المتظلمين لـ"تكريم الريادة". لم نعثر في خضّم كل هذه الحملات النشطة على تعليق واحد يتساءل عمّا حل بنشاط هيئة الثقافة "ثنائيات الدرعية" المفترض إقامته في نفس فترة هذا المهرجان، ولم نرصد أيّ تساءل عمّا يعكسه لنا هذا الحدث من مؤشرات حول وضع الساحة الفنية بالمملكة حين أصبح الفنان السعودي يهتم برأي ونشاط معهد ناشئ ومستقل للفنون -حتى وإن كان غير ربحي- لم تتجاوز تجربته 18 شهراً أكثر مما يهتم برأي ودور المؤسسة الأم -وزارة الثقافة حالياً ورعاية الشباب سابقاً- والمؤسسات الحكومية الشقيقة التي قارب عمرها الستين.

إن من حقّ معهد مسك للفنون أن يكرّم من يرغب بتكريمه من الفنانين وفق معاييره الخاصة، ومن حقنا عليه كجمهور مخلص أن نبدي الرأي في تلك المبادرة والمعايير التي استندت إليها ولكن بطرح راقي، منطقي، ومجرد من الذاتية. وله في النهاية أن يأخذ به أو يهمله، فهو جهة مستقلة وليست شركة مساهمة استثمر فيها الفنانون وأعلنت مهرجانها موعداً لجمعيتها العمومية.

الأهم من كل ما سبق هو أننا لو افترضنا أن مفهوم "الريادة" تم الاتفاق عليه بمعجزة في المملكة، واجمعنا أيضاً أن كل المعترضين هم روادّ أيضاً فهل يبقى للريادة معنى خاص؟

هناك حكمة تقول: "إذا كان الكل مميزاً، فلا ميزة لأحد".

  • أستاذ مساعد في تاريخ الفن الحديث والمعاصر