يقول الشيخ المؤرخ عبدالله بن خميس -رحمه الله- في موسوعته «تاريخ اليمامة»، عن أسرة العجالين؛ هم أسرة من خيرة الأسر من قبيلة الدواسر من أهل الأفلاج، وممن صحبوا الملك عبدالعزيز منذ انطلاقته، فمنهم حزام بن خزام العجالين، ومنهم ثلاب بن حمد العجالين، ومنهم عبدالعزيز بن خزام، ومنهم مشعان بن خزام بن حزام، وهذا هو شخصيتنا، وبالجملة هذه الأسرة من عهدنا منهم ومن لم نعهد هم أسرة كريمة مجاهدة ذات شجاعة ومكارم أخلاق.

وشخصيتنا هي مشعان بن خزام بن حزام بن خزام بن تميم بن سعد بن عجلان الفرجان الدوسري، ولد سنة 1344هـ في مدينة ليلى، ونشأ وعاش مع عشيرته في ليلى، وجالس كبار أسرته آل عجالين، وتأدب بأخلاقهم، وسمع عنهم الأخبار، وبالأخص والده خزام بن حزام، وأدرك جدّه حزام العجالين، الذي كان أحد الذين كانوا مع الملك عبدالعزيز في الاستيلاء على الرياض عام 1319هـ، ويصفه بعض المؤرخين بأن حزام كان رجلاً حكيماً في آرائه، ولا ينطق إلاّ بكلام موزون ومدروس لقوة عقله وبصيرته التي تجعله من حكماء الرجال، ومن الذين يستشارون في الأمور الشائكة والعويصة، وقد تولى إمارة القبائل عام 1337هـ في مدينة ليلى وتوفي سنة 1365هـ.

ويذكر عبدالرحمن بن رويشد في كتابه «الستون رجلاً خالدو الذكر» عن جد مشعان حزام العجالين هو أحد رجال الأفلاج وأمرائها قديماً وهو من المشاهير، ولحزام العجالين أسرة ذات شهرة وفضل، وعُرف بالكرم ورحابة الصدر -انتهى كلام الرويشد-.بذْل وَجُود

إذن؛ في هذا الجو الأسري نشأ القيادي مشعان بن خزام العجالين ما بين أبيه وجدّه وأبناء عمومته، فتأثر بهذه البيئة التي تربى أبناؤها على علوم الرجال ومكارمهم، فاكتسب منهم أخلاقاً وآداباً استمر عليها حتى توفي -رحمه الله-، وتميز مشعان بن خزام بالبذل والجود حتى لقب بالغيث، وهذا لقب شريف وذو دلالة على أنه من كرماء أسرته، بل من كرماء منطقته ومن حوله من الناس، والكريم محبوب عند الناس، فكذلك كانت شخصيته قيادية منذ أن كان شاباً صغيراً ومعروفا بسداد الرأي، لهذا كان كثيرون يستشيرونه في أمورهم، فكان لا يبخل بالمشورة لعلمه أن المستشار مؤتمن، فإذا استشير في أي أمر هو يعرفه أعطى من استشاره بالرأي الذي هو يعتقد أنه هو الصواب والموافق للحق حسب اجتهاده وخبرته الطويلة في الحياة، ولما عُيِّن في إمارة الرياض كانت المهمات الموكلة إليه هي الإصلاح بين القبائل، وحل مشكلاتهم، فكأنه في العمل يعد قاضياً، لكن ليس بصفة القاضي الرسمي، وبهذا كانت المعاملات الشائكة في القضايا التي بين القبائل تحال إليه، فيقوم -رحمه الله- ببذل جهده وطاقته في حلها عن طريق الصلح والتراضي، وهذا العمل الوظيفي في إمارة الرياض في الإصلاح بين الناس عموماً أكسب القيادي مشعان بن خزام تجارب وتمرسا في القضايا التي تعرض عليه أو يطلب منه مرئياته فيها، ولقد كان أميناً صادقاً مخلصاً، فإذا كان المستشار أو المصلح قد اجتمعت فيه هذه الخصائص: الأمانة والصدق والإخلاص وسداد الرأي، فحري أن يوفق وأن يؤديه اجتهاده إلى ما فيه خير بين الأطراف أو الطرفين، وهكذا كان مشعان بن خزام، الذي دأب في عمله هذا سنوات، حاضرا في حل القضايا بين القبائل.

يقول أحد الشعراء الشعبيين وهو شلعان الدوسري واصفاً عقل مشعان بن خزام الكبير الذي تسهل عليه أعقد الأمور والأشياء:

مشعان لامن صك جال على جال

حلال عسر معقدات الليالي

رأي حسن

وكما قلت فإن القيادي مشعان بن خزام تميز بالرأي، وهذه خصلة وصفة ليست بالهينة في خصال البشر، وهذه الصفة كثيراً ما نقرأ عنها في كتب الأدب؛ حيث قدَّسها الشعراء وأثنى عليها عقلاء الناس، وكان حسن الرأي في الدرجة الأولى قبل الشجاعة والإقدام، فالذي وهبه الله عز وجل الحكمة والرأي، فقد أوتي خيراً كثيراً، فالرأي الحسن هو زبدة التجارب وعصارة العمر، وبالرأي الحسن تجد الحلول لمشكلات لا تخطر على بالك، فالرأي الحسن والصائب كان في المرتبة الأولى التي لا تسبقها مرتبة أو درجة في مواهب الإنسان، يقول حكيم الشعراء وعميد الأدباء أبو الطيب المتنبي رحمه الله:

الرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ

هُوَ أوّلٌ وَهيَ المَحَلُّ الثّاني

ويقول الشاعر الفحل بشار بن برد:

إِذا بلغ الرأيُ المشورة فاسْتَعِن

بِرأي نصِيحٍ أو نصِيحَةِ حَازِمِ

ولا تَجْعل الشُّورَى عليك غَضَاضَة

مكانُ الخوَافِي قُوَّة ٌ لِلْقَوَادِم

وساطة وشفاعة

وكان مشعان بن خزام يبذل جاهه في الوساطة والشفاعة لمن يلجأ إليه بحاجة، فلم يكن يتردد في هذه الموضوعات، وبالأخص في موضوعات القصاص والشفاعة عند أولياء المقتول بالعفو أو أخذ الدية أو الإفراج عن السجناء، وهذه كذلك خصلة من خصال القيادي مشعان، التي تذكر وتشكر، فالشفاعة ونفع الناس ببذل للجاه أمر ممدوح، بشرط ألا يؤخذ حق الآخرين، ولا تكون شفاعة في حد من حدود الله عند القاضي.

يقول عبقري الفقه وشاعر الفقهاء الإمام الشافعي -رحمه الله-:

وجبَت عليّ زكاةُ ما ملكت يدي

وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا

فإذا سئلت فجد وإن لم تستطع

فاجهد بجهدك كله أن تنفعا

وأحياناً تكون الشفاعة أحسن من كل صفة ومكرمة، وأعظم من كل خصلة، ولها أثرها النافع والمثمر إذا كانت الشفاعة عامة لأناس أوفى مصالح المسلمين كشق الطرق التي تخدم الناس، أو كل ما يتعلق بأمور الناس عموماً. فيا سعادة من أدى زكاة جاهة ومكانته الاجتماعية، واحتسب الأجر والمثوبة من عند الله عز وجل؛ لأن الشفاعة فيها أجور عظيمة وثواب جزيل كما صح الحديث عن الرسول؛ حيث قال: «اشفعوا تؤجروا..» الحديث، وكما قلت الشفاعة المؤجرة أما الشفاعة في الباطل فهي محرّمة.

مائدة واحدة

وعيّن القيادي مشعان بن خزام عام 1397هـ في إمارة الفوج الرابع برئاسة الحرس الوطني -الوزارة الآن- بعدما كان عمله في إمارة الرياض، ولم يتغير عطاؤه الوظيفي، ويروي الباحث عبدالعزيز العجالين في نبذته اللطيفة التي كتبها عن القيادي مشعان، أنه كان في زيارة للملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- لما كان رئيساً للحرس الوطني، وكانت مأدبة غداء أُعدت لأمراء الأفواج على شرف الملك عبدالله، فتناول الملك بعض الفاكهة، وقال أمام المدعوين: «نحمد الله على هذه النعم التي تساق إلينا من بلدان كثر»، وأخذ يشير إلى البرتقالة الكبيرة، فلما انتهى الملك من كلامه قال مخاطباً الأمراء: «هل من تعليق؟»، ولم يجب أحد منهم، فاستأذن مشعان بن خزام للتعليق، فقال الملك: «تفضل»، فقال مشعان: «النعمة الكبرى والله أن قيض لنا الملك عبدالعزيز، واجتمعنا اليوم على مائدة واحدة من كل القبائل، وكنا قبل ذلك نتطاحن»، فقال الملك عبدالله: «صدقت يا بن حزام هذه النعمة الكبرى».

جلد الثعبان

ومن القصص التي يرويها الباحث عبدالعزيز العجالين التي تدل على حضور بديهة مشعان بن خزام وهي من الأجوبة المسكتة المفحمة، وهذه موهبة أخرى فيه، أنه قد أعد مأدبة عشاء لبعض الشخصيات، فقال شخص كبير من باب المداعبة: «إنني عندما سلمت على ربعك لمست أيديهم ناعمة، فليسوا مثل جماعتي أيديهم حرشاء»، فأجابه القيادي مشعان بجواب مسكت: «نعم، صدقت أيديهم ناعمة، لكنهم كالثعبان جلده ناعم ولكن لدغه يقتل»، فضحك هذا الشخص الكبير، والأجوبة المسكتة والمفحمة هي موهبة تكلمت بها العرب قديماً، وأذكر مؤلفاً فريداً وممتعاً وشيقاً، وهو للأديب الصابئ، وهو أديب في العصر العباسي، ومن جانب آخر فإن والد القيادي مشعان القيادي خزام بن حزام من أعيان جماعته، وكان قائد أهالي الأفلاج في معركة الرغامة سنة 1343هـ، فالقيادي خزام كان له شرف المشاركة في الرغامة، وعرف عنه الكرم والطيب والفروسية.

قصة اليتيم

يقول الأستاذ فهد بن عبدالرحمن آل دحيم عن مشعان بن خزام: إنه إذا ذكر الإحسان وبذل المعروف ونصرة المستضعفين والأيتام وبذل الجاه عند المسؤولين، فأول من يقول أنا لها في الأفلاج وفي غيرها من المناطق، وحقيقة أعجز عن أن أُحصي مناقب هذا العلم، ولكن أكتفي بما حصل معي أنا شخصياً؛ إذ كنت مُعلماً في إحدى مدارس ليلى عام 1393هـ تقريباً، وكان من ضمن الطلاب طالب كسول ومشاغب، فما كان مني إلاّ أن ضربته وأخرجته من الصف، وأكدت عليه ألاّ يحضر يوم غد إلاّ ومعه ولي أمره، وحقيقة أخبرني مدير المدرسة -رحمه الله- أن هذا الطالب يتيم ومعدم، ولكن لشدة عناده ومشاكسته في الفصل أصررت على حضور أي شخص ليكفله، ويساعدني على انضباطه، المفاجأة أنه في اليوم التالي حضر مشعان بن خزام بنفسه وقال: «أنا ولي أمره ومتكفل بجميع ما يترتب على هذا الغلام، إذا لم نؤازر هذا ومن مثله فمن لهم بعد الله»، ومن يومها تغير حال الولد إلى الأحسن في أخلاقه وسلوكه، فجزى الله هذا الرجل خير الجزاء، وهذا غيض من فيض، رحمه الله رحمة واسعة، وجعله في الفردوس الأعلى من الجنة.

وفاته

وحقيقة بفقده خسرت الأفلاج رجلاً باذلاً ماله وجاهه، وفي الختام هذه بعض سيرة ومسيرة القيادي مشعان بن خزام بن حزام العجالين، الذي توفي يوم الأربعاء الموافق 30/03/1417هـ، ودُفن في الأفلاج -رحمه الله-، فقد أعقب ذكراً حسناً وصيتاً معطراً بالخير وبذل الجاه والإحسان إلى من عرفه ومن لا يعرفه، والشكر للأخ الفاضل عبدالعزيز العجالين على تزويدي بمعلومات عن الشهم مشعان بن خزام.

مشعان بن خزام في إحدى المناسبات
عُرفت عنه مساعدة الناس على حل مشكلاتهم
وسام الرواد الذي ناله جدّه حزام العجالين لمشاركته في فتح الرياض
وُلد عام 1344هـ في مدينة ليلى
صلاح الزامل