استخدم الفراعنة منذ آلاف السنين البكرات والعجلات المصنوعة من البرونز المكون من خلط النحاس والقصدير وصنعوا الزجاج واستخدموا الآجر للبناء واكتشفوا الإسمنت والأعمال الخرسانية للبناء ولا أدل من الأهرامات على حضارتهم المتقدمة، وكذلك الحضارة السومرية قاموا ببناء منازلهم بأشكال هندسية مختلفة ومتطورة واستخدموا الأقواس والقباب والعقود والنقش البارز والرسم على الحائط، وكذلك الحال لدى البابليون، ولا أعظم من حدائق بابل المعلقة فهي من عجائب الدنيا السبعة، والآشوريون وفنونهم المبهرة وتبليط الأرضيات واستخدام الفضة للزخرفة والديكورات.

كما تطور البناء بشكل عجيب ومذهل منذ العصر الجاهلي وبدخول الإسلام حلت أعظم وأرقى الحضارات المعمارية والفنون والتعدين والصناعة والنقش والخطوط المختلفة والرسوم المورقة والهندسية بالحفر الغائر والبارز واستخدام الفسيفساء والزجاج الملون والقباب والأقواس والأعمدة الأسطوانية بما يفوق الوصف واستمرت هذه الحضارة حتى نهاية القرن السابع الهجري.

وحلت القرون المظلمة حتى منتصف القرن الثالث عشر للهجرة.. وبقيت بعض المعالم القديمة المتحضرة في بلاد الشام والأندلس والعراق وشمال الجزيرة العربية، أما في معظم الأقاليم فلم يكن هناك ما يشير إلى حضارة تستحق الوقوف والدهشة ولنستشهد بمنطقة الباحة على سبيل المثال لا للحصر فالأبنية بالحجر والتسقيف بشجر العرعر ولا أشكال هندسية تذكر سوى التربيع والاستطالة، ولا نقوش يمكن العودة إليها ولا أطلال قديمة تجسد تلك الحضارات المتقدمة سوى مسجد الخلف والخليف بقلوة وآثار عشم الغنية بالخطوط والنقوش والتقدم الصناعي والثراء التاريخي والتي تنتمي تارة لمكة وتارة اخرى يتم نسبتها للباحة.

أما بقية القرى والمواقع في تهامة والسراة بمنطقة الباحة فتقتصر على تلك الأبنية بالحجر والطين بلا أدنى لمسات فنية ولا هندسية ولا نقوش عدا ذلك الحفر الغائر والنقش البارز في أعمدة المنازل التي تسمى «الزفر» والأبواب والنوافذ وجميعها من الخشب، وليس هناك كتابات تثري تاريخ القرية، وكأنها بنيت في وقت كان يعاني فيه الناس من افتقارهم للأمن بسبب الحروب والسطو على المنازل نظراً لسماكة البناء وكثرة أبراج المراقبة وإدخال المواشي داخل منازلهم في دورها الأرضية وهي تسمى السفول. وكذلك وجود موقد النار في داخل المنزل، فهي مساحة ضيقة للنوم والطبخ والجلوس، كذلك التصاق المباني وتعامدها على بعضها في القرية الواحدة، وتلك الحصون الحربية المزينة بالمرو في أشكال موحدة.

وعندما نطلق مسمى التقدم الحضاري فإننا نشير إلى التطوير المستمر وليس التوقف والعودة للوراء الى ما قبل الأشوريين والبابليين والإغريق والفراعنة والحضارة السومرية، وكذلك الحضارة السبأية كمملكة بلقيس وغيرها، فكيف برع أولئك الأقدم في الصناعة المتقدمة والتعدين والأعمال الكيميائية، والأحياء والبناء الهندسي والنحت، وكيف توقف هؤلاء الذين اتوا من بعدهم بآلاف السنين؟

ففي الوقت الذي كنا نتوقع أن نجد ما يكون امتداداً للحضارات القديمة وتطويراً لما وصل إليه القدماء، فإننا نتسائل ما الذي جعل تلك الحضارات الإنسانية تتوقف في معظم الأقاليم في الجزيرة العربية؟

وكوننا هنا نتحدث عن منطقة الباحة كأنموذج فهل كان للحتمية الجغرافية دور كبير في عزلة السكان؟

إن جميع المؤشرات الموروثة في حضارة البناء والفلاحة والري وبعض الحرف والصناعات كلها تقليدية بسيطة لا ترقى لأقل من 2 % من الحضارات القديمة، فهل يحق لنا أن نحتفي بتلك الأنماط الأقل علماً وفناً وهندسة وصناعة من الحضارات الإسلامية القديمة؟!

الأسئلة تطول، والأجابة تحتاج إلى متخصصين ومحللين للتاريخ القديم.

قطع لحضارات تعود لآلاف السنين
نقش لحضارات منذ القدم