أبها.. مدينة من مطر، في كل اتجاهاتها غيم وقصيد وتاريخ، لم تغب ذات يوم عن حديث المؤرخين، وقوافي الشعراء، ومسامرات المثقفين، وحكايات البسطاء، وروايات الأوفياء. مدينة اجتمعت على بساطها الأخضر، الثقافة والسياحة والطبيعة والأدب والتاريخ والثقافة. تتربّع بكل تفاصيلها على عرشِها الشاهق جنوب الوطن، خطفت الأبصارَ بجمالِها الأخّاذ، وعاشت في ذاكرة أهلها والقادمين إلى حقول دهشتها. إنسانها على قدر كبيرٍ من المعرفة والثقافة وشريك فاعل في بناء مجتمعه ووطنه، فبات بفكره المستنير، وجهده الوافر قادراً على استحضار عناصر جماليّات المدينة المأهولة بالغيم.

"قوافٍ"

وقد حلقت هذه المدينة البهية منذ القدم إلى عصرنا الحديث بقوافي الشعر وأبياته ما بين الفصيح والنبطي، وأخذت أهليها وزوارها إلى فضاءات الإبداع في الوصف والعشق والحنين والتباهي، وأجبرت المشاعر على تنظيم القوافي لشعراء ليسوا ممن سكنوها فقط، بل شعراء زاروها فتغنوا بها.

"عروس"

في أبها كتب الراحل الأديب غازي القصيبي -رحمه الله- قصيدة "عروس الربى"، التي تعتبر من أقدم القصائد المغناة في أبها، كتبها عام 1396هـ، يقول في مطلعها:

يا عروس الربى الحبيبة أبها

أنتِ أحلى من الخيال وأبهى

كل ما حرك النفوسَ جمالٌ

كنتِ أزكى شذى وأنظر وجهَ

"مشاعر"

ولم تغب عن قصائد أبنائها، فهنا الشاعر الأديب الراحل أحمد عبدالله بيهان، أهدى إليها قصيدة "إلى أبها" ضمن ديوانه "نزيف المشاعر"، يقول في أبيات منها:

عجز الضباب بأن يمس رؤوسها

فأفاض في أقدامها قبلاته

فوجئت بالحور الحسان فأيقنت

روحي بوصف الله في جناته

إلى أن قال في قصيدته المطولة:

أبها وما في الكون أكثر فتنة

من نشرها الزاكي ومن خطراته

"غزل"

وفي قصيدة غزلية قديمة للشاعر تركي بن صالح العصيمي - رحمه الله - ضمن ديوان "قلب في أبها" يقول:

عليك سلام الله أبها فإنني

أراها تفوق الوصف إذ لم تزوّد

متى عودتي نحو الجمال وأرضه

فما دمت ناء عنهما غير مُسعَد

"غيم"

وفي أبها ومن أبها تغنى "شاعر الجبل" الأديب الراحل علي آل عمر عسيري -رحمه الله - الذي نبت من غيمة أبها محملاً أدباً وشعراً وصحافة. كانت مؤلفاته الأدبية الشعرية لا تخلو من قصائد عنها.. يقول ذات عبارات شاعرية:

أنتِ من "أبها"؟

ومن انت له أبها بلادا

كرما..

تسكن القمة..

تستشرقها الشمس..

وتستسقي..

السما..

يسبح الغيم إليها

دفعا..

فإذا جللها الغيث

همى..

ظلال الحسن

"سحر"

وفي أبها تجتمع مفردات الأديب أحمد عبدالله عسيري، الذي تزيد قصائده في أبها.. بهاء، وكأن لم ينطق أبها سواه، مفرداته عذبة وبهية، وهنا مطلع قصيدة تحتضن أبها:

هذي عسير ظلال الحسن والألق.. وشمعة ترتوي من منبع الأفق

تذوب من سحرها شطآن رابية.. تنساب في جدول أو في ندى الورق

"تاريخ"

وهنا نستعيد من على صفحات التاريخ مكانة أبها، حيث يقول أ.د غيثان بن جريس رئيس قسم التاريخ بجامعة الملك خالد في كتابه "أبها حاضرة عسير": إن أبها كانت معروفة بهذا الاسم منذ القرون الأولى في عصر الإسلام، وإنها أحد الأجزاء المهمة في بلاد عسير "مخلاف جرش قديماً". وأضاف أن عديدا من الدراسات المتأخرة ذكرت أنها كانت تسمى "هيفاء" أو "أيفا"، بل أشارت بعض تلك الدراسات إلى أنها كانت إحدى المدن الكبرى في دولة سبأ 850-115ق.م، مؤكداً أن هذا القول يحتاج إلى تأكيد من مصادر أساسية أمينة، مردفاً: لا يدرك مكانها واسمها إلا رجل خبير بالبلاد، فسمع عنها وربما جاء إليها مثل أبي محمد الحسن الهمداني. وإذا كان الهمداني قد ذكر اسم أبها في القرن الرابع الهجري، نجد أن المصادر الإسلامية في العصور الوسطى لا تذكرها، وإن كانت هناك روايات متناثرة أشارت إلى أهمية مخلاف جرش، ومصادر أخرى ناقشت بعض الجوانب السياسية والحضارية لبلاد السراة الممتدة من الحجاز إلى اليمن.

"شعراء"

وشكّلت تلك المدينة بمكانتها عبر القرون حالة أدبية تميزت بها، وإن كان الأدب في أبها جزءا من منظومة أدبية متكاملة تتميز بها المنطقة بأكملها، وللوقوف على بدايات الأدب في المنطقة بشكل عام وحاضرتها أبها أرجع الأديب د. أحمد التيهاني إلى أن جذور الحياة الأدبية تعود إلى الأدب العربي عبر عصوره المتتالية. وقال: ينسب النسّابة والمؤرّخون عددا من شعراء الجاهليّة والإسلام إلى هذه الجهة، معتمدين فى ذلك على انتساب هؤلاء إلى قبائل عربية سكنت المكان، وإنْ لم تكن هذه الجهات مكان إقامة هؤلاء جميعهم؛ ما جعل بعض الباحثين ينسبون إلى هذه البقعة كثيرا من شعراء العربيّة المشهورين، وكان للباحثين المحدثين من جامعي شعر القبائل دور مهم في نسبة عدد كبير من شعراء الجاهليّة والإسلام إليها، بينما لا تتجاوز صلتُهم بالمكان حدود الانتساب، إلى الإقامة والانتماء الحقيقيين، اللذين يجعلان أثر المكان ظاهرًا في شعرهم، ويبدو أنّه لم تكن لهذه البقعة في عصورِ قوّة الدولتين: الأمويّة، والعبّاسيّة - خصية أدبية مستقلة - وأنّ جلّ الشّعراء الذين ينسبهم المتقدّمون إلى هذه السروات إنّما هم من المهاجرين إلى الشام، والعراق، ممّن لم تعد تربطهم بالمكان سوى رابطة الانتساب إلى قبائل تسكنه بوصفها موطنًا أصلياً أو هم من شعراء اليمن، لأنّ المصادر الأدبية تذخر بأسماء شعراء كثيرين ينتسبون إلى قبائل سكنت جبال السراة في العصور الإسلاميّة الوسيطة، بيد أنّ عدم تحديد أماكن إقامة بعضهم تحديدًا دقيقا، يجعلُ الباحث يحترز من عدهم في شعراء هذه الجهات، إلا حينما يحوي شعرُهم إشارات واضحة العمل به إلى المكان.

أبها قديماً
أحمد التيهاني
أحمد عسيري
أحمد بيهان
علي آل عمر
غيثان بن جريس
غازي القصيبي