بالنظر إلى مؤشرات الجهات التي اعتمدت ومستهدفاتها، يمكن أن نبدي ملاحظات تتعلق برفع مستوى الطموح لتحقيق نتائج أكبر، مستفيدين مما لدينا من إمكانات وفرص نرى أنها في متناولنا. وبذلك نكون قد عملنا على رفع كفاءة برامج الرؤية لتحقق أقصى ما يمكن أن تحققه، سوى أن أمرا آخر يجب ألا يفوتنا يمثل تحديا أكبر وأوسع نطاقا يحسن أن نأخذه في الحسبان للتخطيط مستقبلا، وهو العلاقة بين النمو والاستدامة. ذكرت في المقالة السابقة أن مما نغفل عنه عادة أن النمو المستمر لا يعني الاستدامة على كل حال، بل إن الغالب أن النمو المستمر مناقض للاستدامة على المستوى الطويل.

لنحقق نموا مستمرا علينا أن نحافظ على معدل نمو إيجابي على مدى طويل، وهو ما تهدف إليه خطط التنمية عادة، لكن ماذا يعني أن ننمو 5 في المئة سنويا؟ إذا افترضنا أن مدينة ينمو عدد سكانها بمعدل 5 في المئة سنويا، فإن عدد سكانها سيتضاعف كل 14 سنة. فإذا كان عدد سكان المدينة ثلاثة ملايين عام 1410هـ فإنه سيصل إلى ستة ملايين عام 1424هـ وإلى 12 مليونا عام 1438هـ. وإذا استمر النمو بمعدل 5 في المئة لأربع عشرة سنة أخرى، فإن عدد السكان سيصل إلى 24 مليونا عام 1452هـ. إن النمو المستمر الذي يحققه معدل ثابت يؤدي إلى نمو أسي تصاعدي، وإن كان يبدو نموا بسيطا من منظور النسبة المئوية لأول وهلة.

عندما ينمو عدد السكان بمعدل ثابت هكذا، فإن القدرة على تحقيق الاستدامة تضعف مع الوقت. وينطبق معدل النمو في السكان على النمو في استهلاك الطاقة والموارد؛ حيث يصبح معدل النمو مركبا، ويجعل تحقيق الاستدامة أصعب. فمن منظور تنموي، فإن التخطيط لمعدلات نمو من هذا النوع في استهلاك الطاقة مع نمو السكان خصوصا يتطلب تقديم حلول جذرية لتفادي النمو الذي يستهلك التنمية على المدى الطويل. إن فاتورة التنمية تتضاعف مع تضاعف استهلاك الموارد وتضاعف السكان، ما يعني أن التنمية التي لا تخطط للنمو المستمر وآثاره ستتعثر عند نقطة ما وتبدأ في التراجع. وإذا نظرنا إلى مؤشرات الجهات التي وضعت لتحقيق أهداف الرؤية، فعلينا أن نبحث عن مؤشرات (عكسية) ربما، لمتابعة قدرة برامج الرؤية على إدارة النمو. يبقى أن يحدد ماذا على البرنامج من مبادرات لإدارة النمو، وهو السؤال الأكثر إلحاحا اليوم للتخطيط طويل المدى فيما يخص النمو السكاني واستهلاك الموارد.