قطاعان لا يمكن أن تدرك نتائجهما ومخرجاتهما بشكل واضح وسريع.. ذاك أن تلك المخرجات هي نتاج سنوات من العمل، والتأثيرات والمتغيرات وحتى التغييرات؛ القطاعان الاجتماعي والتعليمي من أهم مكونات المجتمع، لذلك تحرص الأمم المتقدمة على العناية بهما والإشراف المباشر من قبل الحكومة، ويتولى القطاع الخاص في الغالب جوانب تشغيلية.. وبالتالي فإن مصروفات هذين القطاعين تستقطع نسبة كبيرة من موازنة الدول الحريصة على تنمية مجتمعها، ورفع مستوى التعليم.

لكن ثمة مكوناً مهماً يقع بينهما ويدعم كل أوجه حياة الناس من عناية صحية، واجتماعية، ومساعدات للفقراء ودعمهم، والتنمية الإسكانية، وجوانب أخرى مثل الذوق العام، والتوعية بكل أشكالها.. وهي ما يسمى مؤسسات المجتمع المدني، التي يتبناها، ويقوم عليها أفراد من المجتمع بعد أخذ التصاريح اللازمة؛ وفي الغالب تأخذ الدعم المادي والبشري من المجتمع، وتحصل على دعم حكومي - عادة - ولذلك سمي هذا القطاع المنتج بالقطاع الثالث.

القطاع الثالث في المملكة يضم عدداً كبيراً من المؤسسات الخيرية والاجتماعية، عملت وتعاونت وشرفت بالانتماء للكثير منها، ومن مساحة التجربة المتواضعة أقف على أهم الملاحظات في عموم العمل الاجتماعي:

أولاً: أن الكثير منها يقوم على الاجتهاد لهدف خيري، دون وجود استراتيجية عمل واضحة، وقبل ذلك أهداف محددة وهذه الأخيرة غالباً ما تكون عناوين نظرية بعيدة عن الواقعية.

ثانياً: يندر أن تجد مؤسسة خيرية يتفق أفرادها على منهج عمل واضح، وأهداف.. وفي الكثير تبرز الخلافات والاختلافات لجوانب لا علاقة لها بأساس العمل، مثل موارد الصرف، والظهور الإعلامي، والإدارة..

ثالثاً: ضعف الدعم من رجال الأعمال والقطاع الخاص.. وهذا الضعف ليس مرده امتناع هؤلاء أو غيرهم - على العكس - بل لعدم قدرة كثير من المؤسسات على التواصل والتسويق وإيصال رسالة المؤسسة.

رابعاً: انتشار وتنوع المؤسسات الخيرية والتطوعية في المدن الكبرى، وضعفها وقلتها في المدن الصغرى خاصة في أطراف المملكة شمالاً وجنوباً.

خامساً: غياب التقييم الواضح من الجهة الحكومية المعنية (التنمية الاجتماعية).. حضور مندوب الوزارة لا يتجاوز شكليات، ومتطلبات متواضعة مثل الحضور والتوقيع..!

سادساً: آليات الدعم الحكومي لا تقوم على أساس الإنتاج، واختلاف العمل، أو حتى تشجيع المؤسسات في المناطق والمدن التي (قد) تكون أكثر حاجة.

سابعاً: ضعف الكوادر الوطنية المتخصصة في الإدارة لمؤسسات المجتمع المدني، بل إن بعض مدير الإدارات في تلك المؤسسات بات عملة نادرة، والناجحون القلة منهم اعتمدوا بعد الله على خبرتهم في ممارسة العمل الاجتماعي.

من هنا فإنني أرى أن قرار مجلس الوزراء الأخير بإنشاء مركز باسم "المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي" يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري ويرتبط برئيس مجلس الوزراء.. بهدف تفعيل دور منظمات القطاع غير الربحي وتوسيعه في المجالات التنموية، والعمل على تكامل الجهود الحكومية في تقديم خدمات الترخيص لتلك المنظمات، وإحكام الرقابة المالية والإدارية والفنية على القطاع، وزيادة التنسيق والدعم.. نقلة مهمة ونوعية في تاريخ ومسيرة القطاع الثالث.. والذي سوف أقف على أهم مجالات تطويره الأسبوع المقبل بإذن الله.