ينصح الأديب والناقد الكبير عبد الفتاح كيليطو الكاتبَ بتجنُّب إجراء الحوارات الإعلامية، ويُطالبه بالاكتفاء بكتبه وبإبداعه المنشور فقط، ويضيف: «إن كان ولا بد، فليكن حواراً واحداً، وإلا فسيتعرض حتماً لإعادة أقواله، ربما لأن الأسئلة ذاتها تنحو أحياناً المنحى نفسه. النتيجة، فيما يخصني، تكرار ممل شائن، تناقضات، ركاكة، تفاهات». ويعترف كيليطو في مقدمة كتاب (مسار)، الذي جمع فيه الحوارات التي أجريت معه بأنّه قام في محاولة «لإنقاذ ما يمكن إنقاذه» بعديد من التعديلات والتصحيحات والحذف لتخرج حواراته للقراء في صورة مقبولة.

نصيحة كيليطو نصيحةٌ ثمينة نوجهها بدورنا إلى الشاعر الذي لا يفوّت أي فرصة للظهور الإعلامي، فثمّة شعراء لا يجدون أي حرج في فرض أنفسهم على معدي البرامج وعلى محرري الصفحات الشعرية لمجرد إشباع الرغبة في الحديث عن الذات وتضخيمها، أو لتأكيد الحضور في وسط يزدحم بآلاف الشعراء، فيحضر الواحد منهم في كل وسيلة إعلامية مُتاحة بآراء سطحية وبإنتاج شعري متواضع، وتكون المحصلة النهائية كثيرا من التفاهة والكلام المكرر.

في مرحلة زمنية سابقة، كانت الحوارات التلفزيونية أو الصحافية مع الشاعر فرصة رائعة تُلبي شغف المتلقين للتعرّف على جوانب من شخصية الشاعر والاطلاع على آرائه الأدبية وعلى جديد إبداعه، أمّا اليوم فأظن أن حاجة الشاعر لإجراء حوارٍ إعلامي تقل إلى أدنى مستوياتها، فقد أصبح متاحاً لأي شاعر نشر إنتاجه وآراءه في جميع شؤون الحياة عبر حساباته في جميع وسائل التواصل، ولم تعد هناك حاجة إلى البحث عن وسيط ينقل ذلك الإنتاج وتلك الآراء للقارئ. من جهة أخرى، فإن ابتعاد الشاعر عن الحوارات يجعله في منأى عن الهجمات التي يتعرّض لها المشاهير بسبب اتهامهم بالتناقض والتلوّن عند تغيير آرائهم، مع أن تغيير الآراء أمر حتمي، وجيد في بعض الأحيان، كما أنّه حق من أبسط حقوق الإنسان.

ويُلاحظ أن الأسئلة التي تتعلق بمسألة «التناقضات» في آراء ومواقف الشعراء من أكثر الأسئلة التي تحضر في الانتقادات التي توجّه لهم، مع أنّ تلك الآراء، التي توصف بالتناقض، جاءت في سياق الحديث عن قضايا اجتماعية وفكرية معينة يُسأل عنها الشاعر ولم تُصغ في قالبٍ شعري، لكن خصومه أو منتقديه يستغلونها لرميه بتهمة التناقض وتلوّن المواقف بحسب المصلحة الشخصية.

أخيراً يقول مبارك بن عنين:

قلبك اللي كلامك نابعٍ من كلامه

لا تقوله تراك بلحظ عينك شرحته

كل جرح يتعافى غير جرح الكرامة

لو جرحت الكرامة، وش بقي ما جرحته؟