منذ أيام نشر موقع Cnn تذكيراً لوعد حكومة الصين بالقضاء على الفقر عام 2020، وهي مسألة ليست صعبة باعتبار الفقير هو من كان دخله دون 700 دولار سنوياً، وهو مقياس محدود وتحقيقه ليس صعباً، فما بين عامي 1990 و2005 ثلاثة أرباع من خرجوا من الفقر عالمياً كانوا صينيين، حسب بيانات هيئة الأمم، لكن التحدي الكبير هو رفع مستوى الحياة الصيني لمستوى الدول المتقدمة من حيث الدخل والتعليم ومتوسط الأعمار، وهل ستستطيع الصين تحقيق ذلك دون تغير في سياساتها؟

الحقيقة أن الصين قطعت جهداً كبيراً في تطوير شعبها، بل أغلب رموز الصين في النجاح والثراء يدافعون عن سياستها مثل Kai Fu Lee في كتابه الأخير عن الذكاء الاصطناعي، و(جاك ما) مؤسس علي بابا، في محاضراتهما يؤكدان على وعي الصينين في تطوير قدراتهم واللحاق بمستوى الدول المتقدمة.. والأرقام تؤكد ذلك؛ فمن عام 2000 حتى 2018 ازداد الإنفاق الحقيقي للأسر الصينية على التعليم بنسبة 273 %، حسب بيانات مركز اكسفورد، طبعاً السبب في ذلك هو سياسة الطفل الواحد حيث يتركز إنفاق الأسرة على الطفل، وأيضاً تطور الاقتصاد الصيني وعدم اعتماده على الأيادي العاملة الرخيصة واحتياجه مستقبلاً لمستوى تعليم ومهارات نوعية أكثر.. ولكن لا تزال الصين تحتاج لفترة ليست قصيرة للوصول لهذا المستوى.

الشيء الآخر، أنه مع ارتفاع مستوى التعليم والوعي تلاحظ في كتب النخب الصينية ومحاضراتهم قناعة بضرورة بقاء الدولة قوية كرقيب ومنظم، لأسباب اجتماعية واقتصادية.. الأسباب الاجتماعية؛ أن مجتمعات الدول النامية أكثر حساسية للتفاعل مع القضايا العنصرية والطائفية ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعية، فظهور أي إشاعة مكذوبة ممكن أن تنعكس سلباً، كما حدث في الهند العام الماضي في ولاية (كرنتاكا) عندما ذهب أهالي القرية للاعتداء على مجموعة من الشباب وقتل أحدهم إثر كذبة انتشرت عبر (الواتساب)، شهرياً تقوم (واتساب) بإلغاء مليوني حساب بسبب الحسابات السلبية والوهمية التي تخلق الأكاذيب وهو ما يصنع جهداً غير منتهٍ، ولا يوجد حل له لدى شركات التواصل، وبعض الأصوات تلمح للنموذج الصيني ورقابة الصين لتطبيق (Wechat) حيث تقوم الصين بمراقبة جميع وسائل التواصل الأخرى لمكافحة أي محاولة لخلق الفتنة في بلد متعدد الأعراق والأقليات.

اقتصادياً تطورت الصين وتعقدت أكثر ولم تعد البلد المصدر للعالم، فميزانها التجاري أصبح سالباً في السنوات الأخيرة -رغم وزنها الجاري الضخم عالمياً قرابة 13 %- ومجموع ديونها بلغ ثلاثة أضعاف ناتجها المحلي؛ نصفه الديون لشركاتها غير المالية، وحجم التلوث الذي بلغ مستوى يصعب التساهل معه، وأخيراً الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، هذه الأوقات المهمة تجعل النخب الصينية تصر على بقاء قوة دولتهم وأن يبقى الهدف الأساسي هو التحول الاقتصادي نحو التقنية واستمرار معدلات التنمية للحاق بمستوى الدول المتقدمة.