نحن في السعودية نؤمن بأن طريقنا ليس وردياً ولا سهلاً، ولكننا نعتبرها مهمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية، ودينية قبل أن تكون إنسانية، وخيمتنا التاريخية ستظل الملاذ والحمى، منها الحضور وفيها التأثير.. ولا عزاء للسفهاء..

يوماً بعد يوم، يتجلى الدور السعودي الفاعل، وعربياً بالذات عندما يؤكد حضوره المؤثر وعلى كل الجبهات، وبشكل يمكننا معه القول إن السعودية الجديدة باتت بمواقفها الشجاعة طوق النجاة لكثير من البلدان الشقيقة، وإن لم تكن البوصلة تشير دائماً إلى "القطب السعودي"، فليتذكر مراهقو السياسة أنهم على الجانب الخطأ.. ليس من السياسة فقط، ولكن من الجغرافيا والتاريخ والأخلاق أيضاً!

ففي الوقت الذي يلعب فيه أقزام الحارة الخليجية الشاذة على التغرير بالعقول الساذجة، وينقبون في دفاترهم القديمة عن كل ما يسيء للمملكة قيادة وشعباً وأرضاً بسلسلة افتراءات لا تنتهي، وفيما تواصل "جزيرتهم" النباح والعويل كعادتها في تأجيج الأوضاع على الساحة العربية، نجد السعودية "العظمى" هي من تقدم يديها، وتفتح صدرها للشعب السوداني الشقيق، وتدعم - مشاركة مع دولة الإمارات - خزانته الاقتصادية بثلاثة مليارات دولار، لتتمكن الدولة السودانية من الوقوف على قدميها عقب الأحداث الأخيرة التي انتهت بعزل الرئيس السابق عمر حسن البشير وتولي مجلس عسكري السلطة هناك.

وقبل أسابيع، شهدت أرض العراق وصول أضخم وفد سعودي غير مسبوق يضم ثمانية وزراء، وعشرات المسؤولين، يحملون أول خريطة تنموية شاملة، يمكن من خلالها إحداث طفرة في البنية التنموية العراقية، تنهي إهمال وعجز ما يقارب ثلاثة عقود عانى فيها الأشقاء العراقيون كثيرا من المآسي التي يندر حدوثها في التاريخ الحديث.. وقدمت مليارا ونصف المليار دولار لمشروعات تنموية عاجلة، إضافة إلى مدينة رياضية، وأعقبها منذ أيام استقبال حافل لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي في قصر الحكم بالرياض.. يمكن اعتباره بداية لتدشين مرحلة مستقبلية جديدة في العلاقات بين البلدين، تعيد العراق الشقيق إلى حاضنته العروبية، بعد اكتشاف أن دولة الملالي في طهران لم تقدم لهم سوى الصراع والابتزاز.

قبل العراق والسودان، كانت هناك نماذج كثيرة ورائعة - ليس هذا مجال تعدادها - للوقفات السعودية، التي تشد الظهر، وتأخذ بيد العون، وتعزز فكرة التضامن الحقيقي، لا الابتزاز أو الطعن من الخلف، أو الاستعداء والتأجيج بحثاً عن ألعاب أطفال سياسية.. ولهذا تدخل السعودية من الأبواب الواسعة دون ما يثير الريبة؛ لأن المنهج معلن.. دعم ومساعدة وشد أزر عبر برامج تنموية أو حزم أفكار تحديثية، وليس عبر ميليشيات وأذرع وأبواق مرتزقة وجماعات ودكاكين إعلامية بالإيجار.

الحضور السعودي وبهذا الشكل يضرب كل دعاوى رعاة الطائفية السياسية والدينية من طهران إلى إسطنبول إلى الدوحة في مقتل، ويؤكد تماماً أن كل حملاتهم المحمومة ضد المملكة مصيرها الخيبة والفشل، وأن أياً من هذه العواصم الجامحة بوهم الخلافة والزعامة التسلطية لن تكون بديلاً أبداً عن الرياض كشرعية تاريخية لمعاني القيادة والريادة والحضور.

في كل الأزمات التي تم افتعالها ورسمها بكيدية، وقفت المملكة على قدمين راسختين، واستطاعت إحباط كل مخططات ومغامرات التآمر، بل دعمت نفوذها أكثر إقليمياً ودولياً، فيما ثلاثي الشرور يدور في فلك تخبطاته: إيران باتت محاصرة ومنبوذة وتعاني ضغوطاً دولية سياسياً واقتصادياً حتى ترضخ لصوت العقل والقانون الدولي، تركيا الحائرة بين استجداء أوروبا وأوهام طموحات الخلافة وقيادة المشرق، تنكفئ أكثر وأكثر بعد انهيار العملة والضعف الاقتصادي والتشرذم السياسي بفقدان مراكز النفوذ حتى داخلياً بعد خسارة الانتخابات البلدية.. وأخيراً؛ إمارة الإرهاب في الدوحة، التي أصبحت مجرد بؤرة للمرتزقة وشذاذ الآفاق، ومعقلاً للتآمر على الأهل والأشقاء في الخليج والعرب، لذا استحقت أن تكون معزولة ومنبوذة بهذا الشكل المثير للشفقة.

نحن في السعودية نؤمن بأن طريقنا ليس وردياً ولا سهلاً، ولكننا نعتبرها مهمة أخلاقية قبل أن تكون سياسية، ودينية قبل أن تكون إنسانية، وخيمتنا التاريخية ستظل الملاذ والحمى، منها الحضور وفيها التأثير.. ولا عزاء للسفهاء.