حملة تطهير رؤوس الإرهاب الإقليمية في منطقة الخليج أو الشرق الأوسط، أو تقليم أظافرها ولو حتى وفق نظرية الاحتواء المزدوج، قد تؤدي غرضها مرحلياً، ولن تحقق المستهدف منها ما لم تتوازَ معها جدية إنهاء فكرة الميليشيات الموازية التي لا تعترف بالدولة التقليدية..

ما بين الاعتداء على أربع سفن تجارية بالقرب من سواحل الإمارات والهجوم الإرهابي على محطتي ضخ البترول في محافظتي الدوادمي وعفيف بالمملكة، نجد أنفسنا أمام وجه آخر للإرهاب "الدولي" العابر للحدود، على وقع الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة ونظام العمائم في طهران.

وإذا كانت إيران منذ العام 1979 اعتمدت مبدأ تصدير "الثورات" لتحقيق مكتسبات سياسية إقليمية ومذهبية تدعم أجندتها لفرض أذرعها في مناطق متفرقة، فإنها - ومنذ ذلك التاريخ - وللخروج من مأزق مواجهاتها الاستفزازية المتعددة إقليمياً ودولياً، لجأت لسياسة تصدير "الإرهاب" كوسيلة لزعزعة الأمن والاستقرار من جهة وأداة للحفاظ على هذه المكاسب واستمرار مناطق النفوذ من جهة أخرى.

الإرهاب أصبح الآن "قميص عثمان" الجاهز دوماً لكل محاولات الأنظمة البائسة لتجاوز منزلقاتها السياسية والفكرية وتصدير أزماتها بدلاً من التصدي لمعالجتها أو مواجهتها بشجاعة، وبالتالي أصبحنا في دوامة هذه الأزمات أمام ما يمكن تسميته ظاهرة الوكلاء أو العملاء المحليين الذين يتولون المهمة بالنيابة عن شيطانهم الأكبر، وللأسف فقد ثبت منذ وقت طويل جداً أن جميع الكيانات والأذرع الإرهابية التي تنتشر في المنطقة بفعل فاعلين رئيسين: أولهما: نظام الملالي في إيران كنظام طائفي، وثانيهما: تنظيم الإخوان الدولي - ومن وراءه سواء كانوا جماعات أو قوى أو دولاً لها ذات النفس الطائفي والاستعلائي الشرير.. وكلاهما خطر عقائدي شديد جعلهما محل عدم الثقة والارتياب لأن "التقية" تجمع بينهما كأسلوب إدارة، إضافة لأن لكليهما أحلامه الخاصة في الهيمنة والتوسع على وقع أوهام إحياء إمبراطورية بادت أو استعادة "خلافة" راحت.

ما يحدث الآن من تصعيد إقليمي في مياه الخليج، لا شك أن له متاعبه العامة، خاصة أن النظام الإيراني دأب خلال العقود الأربعة منذ نشأة ثورته المزعومة، على رعاية أذرع طائفية له انتشرت في العديد من الدول بتمويل صريح أو بتشجيع وقح، هذه الأذرع سواء ميليشيا حزب الله اللبناني أو جماعة الحوثي باليمن وغيرهما أظهرت كم الاستهتار الإيراني بمفهوم الدولة ومعاني سيادتها، وعندما يلجأ أي نظام لمحاولة رعاية جماعة أو ميليشيا أو تنظيم بمواجهة الدولة الأساسية، فإن هذا يعني إعلان العداء الصريح قبل العدوان المباشر.

وإذا كان العالم - وفي مقدمته الولايات المتحدة - يواجه الآن مثل هذه الدول المارقة بكل أساليب الضغط المعروفة بشكل مباشر أو غير مباشر، فإن نفس العالم يجب عليه أن يواجه بنفس القوة ذيول هذه الدول والتنظيمات واعتبارها تنظيمات إرهابية، حسناً تم تصنيف حركة حماس وحزب الله اللبناني قبل أشهر أميركياً، ويجري الآن بحث وضع جماعة الإخوان على لائحة الإرهاب.. ولكن ماذا عن جماعة الإرهاب الحوثي في اليمن والتي اختطفت البلاد وقادتها لما يشبه الحرب الأهلية وتسببت في توتر إقليمي فشل العالم حتى الآن في اجتثاثه.

أعتقد أن حملة تطهير رؤوس الإرهاب الإقليمية في منطقة الخليج أو الشرق الأوسط، أو تقليم أظافرها ولو حتى وفق نظرية الاحتواء المزدوج، قد تؤدي غرضها مرحلياً، ولن تحقق المستهدف منها ما لم تتوازَ معها جدية إنهاء فكرة الميليشيات الموازية التي لا تعترف بالدولة التقليدية، وتسعى لأن تكون منافساً لها إن لم تفرض نفسها كبديل وفق النظرية الإيرانية/ الإخوانية.

حزب الله في لبنان مثال واضح على التبجح السياسي في إدارة مقدرات الدول والشعوب، الحشد الشعبي وعصائب ما أنزل الله به من سلطان في العراق، الحوثيون في اليمن، ميليشيات التأسلم السياسي في ليبيا وسورية، حماس في غزة، جماعات الفوضى والعنف في بعض الدول العربية.. كلها جهات "إرهابية" مباشرة لم تكن صدفة أبداً أن تكون برعاية إيرانية أو إخوانية!

قد يكون صحيحاً أن تقليم أظافر إيران بدرجة أو بأخرى سيقلل من مخاطرها المحتملة مستقبلاً في الشرق الأوسط، ولكن من ذا الذي يستطيع معالجة تداعيات 40 عاماً من العبث والعربدة باسم الثورة وتصديرها وإحياء الطائفية بمثل هذا الشكل البغيض؟