ليس غريباً في تأملنا لحركة المشهد الثقافي السعودي في الأشهر الأخيرة، أن نلحظ قوة الدفع «القيادية» الهائلة باتجاه عملية التثقيف المتوازن والمنفتح، من أجل امتلاك زمام الأمور، وضمان عملية توعية جادة وشاملة ترتقي بمحاور العملية الثقافية كلها..

من الإنصاف الاعتراف أن الحركة الثقافية السعودية تشهد زخماً مميزاً في الفترة الأخيرة، وهو الزخم الذي يعنى بتصحيح مجريات الحركة الثقافية فكرياً في المقام الأول، وبما يتسق مع ما نمتلكه من مخزون تقليدي وتراث ضخم يجب الحفاظ عليه وتطويره وتأطيره على وقع رؤيتنا المستقبلية 2030 الاستراتيجية.

من هذه المقدمة، يمكن فهم اللقاء الذي جمع سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مؤخراً في جدة، بمجموعة من المثقفين السعوديين يمثلون نخبة القطاعات الستة عشر التي تدعمها وزارة الثقافة في رؤيتها وتوجهاتها.. وبما يعكس الجهد الذي يبذله مثقفونا وروادنا التنويريون باختلاف مشروعاتهم لخدمة وطنهم ومجتمعهم، من جهة، ومن جهة أخرى ما يعزز الأهمية المحورية للثقافة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وفي الارتقاء بتنوع المسارات الفكرية، ودورها في حفظ الهوية والتاريخ وفي التعبير عن التنوع الحضاري الغني الذي تحظى به المملكة، وإسهاماتها في مد جسور التواصل المعرفي والإنساني مع الحضارات والدول الأخرى.. وهذه الأخيرة هي التحدي الأكبر والمنتظر، والتي شدد عليها الأمير محمد بن سلمان.

من هنا ليس غريباً في تأملنا لحركة المشهد الثقافي السعودي في الأشهر الأخيرة، أن نلحظ قوة الدفع "القيادية" الهائلة باتجاه عملية التثقيف المتوازن والمنفتح، من أجل امتلاك زمام الأمور، وضمان عملية توعية جادة وشاملة ترتقي بمحاور العملية الثقافية كلها، وهي التي اتضحت كثيراً عبر الوثيقة الشهيرة لرؤية الوزارة وتوجهاتها التي أعلنت قبل ثلاثة أشهر تقريباً، وما احتوت عليه من مبادرات طموحة تخدم النشاط الثقافي السعودي بكل اتجاهاته، وتدعم المثقفين بتنوع مساراتهم الإبداعية، بما يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية لرؤية المملكة 2030، التي صاغها ولي العهد ومنح من خلالها الثقافة عناية خاصة باعتبارها عنصراً مهماً في ميزان التنمية الاجتماعية، ورافداً مؤثراً في الاقتصاد الوطني.

وسبقها اللافت الأبرز بتأسيس وزارة خاصة للثقافة لأول مرة، وفصلها عن الإعلام، وهو القرار الملكي الخلاق، الذي يدشن مساراً جديداً يعيد الاعتبار للثقافة باعتبارها الوعاء الجامع للفكر ورسم خطط الوعي، ما يعني التأكيد على الدور المهم لهذا القطاع في التنمية المستقبلية للمملكة.

الثقافة عبر العصور كانت أحد روافد الحضارة، وهي الآن بمختلف محاورها أهم أركان القوة الناعمة لأي دولة وأي حضارة في إطار التقارب البشري على كوكب الأرض، ووسيلة للتواصل والانصهار مع حضارات العالم بمختلف أركانها وفنونها.. وهذا ما يستوجب أن تكون لدينا قوة دفع إضافية بالتأكيد فيها الكثير من الحلول لإشكاليات التقارب مع الآخر بالتركيز على المشترك الإنساني العام وفي مقدمته العقل والفكر.. وهو أمر يعني امتلاك وسائل حضارية للتأثير الفعال قبل التأثر المجرد، وكلاهما ضرورة قصوى ولا غنى عنهما لأي مجتمع في إطار العولمة الجديدة.

وبالتأكيد، نحن نمتلك الكثير من الزخم الفعال الذي ينبغي حضوره على الساحة الإقليمية والعربية، بكل توافقاته وتنوعه وتعدداته، ولعل مشهد الحج السنوي الذي نتشرف باحتضانه يقدم لنا - قبل العالم - أصول الخطاب الثقافي المعاصر الذي يسعى لتجذير الأصالة والانفتاح وعالمية الخطاب "السعودي بثوب إسلامي" في إطار التنوع والتعدد والتسامح في قبول الاختلاف، والأهم التعارف.

انفتاحنا الثقافي الأخير قادر على كسب العقول والقلوب. ومن هذا المنطلق فإننا نحن الذين ينظر إلينا العالم، على أننا مهبط الوحي وأرض الرسالة وذات الوضع الاقتصادي المميز، قادرون على أن يكون خطابنا الثقافي بقدر ذات المستوى الذي نعيشه في المجالات الأخرى. وبما يوازي مشروعنا الحضاري الأعمق الذي يستلهم نماذج المعرفة النافعة والمنفتحة ويقدمها كإرث لهذه الحضارة الإنسانية.

وفق المعطيات الأخيرة، وهذا الدعم القيادي غير المحدود.. نحن جديرون بذلك.. لا أشك أن هذه المنطلقات هي من المخزون المميز الذي يملكه الوزير الشاب.