قيمة الوثيقة أنها جددت الدعوة إلى الحوار الحضاري بصفته أفضل السبل إلى التفاهم السوي مع الآخر، وتجاوز معوقات التعايش، والتغلب على المشكلات ذات الصلة، إضافة إلى تجاوز الأحكام المسبقة المحمّلة بعداوات التاريخ التي صعدت من مجازفات الكراهية ونظرية المؤامرة..

وسط إقليم متوتر، ومنطقة تغلي، وتهديدات متتالية لا نهاية لها، جاءت قمم مكة الثلاث التي عقدت في وقت سابق ونجحت بكل المقاييس ودعت إليها المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، لتضع خطوطاً حمراء بوجه كل التداعيات المحتملة، وتضع حداً لحالة الاستقطاب المروع لإيضاح المواقف وإجلائها لتكون حداً فاصلاً ما بين الشجاعة في التضامن والوقوف صفاً واحداً بمواجهة الأخطار، وما بين التردد والممالأة والبحث عن أعذار واهية ووهمية.

وربما كان لافتاً للأنظار، ما تم إعلانه قبيل القمم بساعات وفي ختام المؤتمر الدولي حول قيم الوسطية والاعتدال، الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي وعرف بـ"وثيقة مكة المكرمة" والتي أقرّها 1200 عالم وشخصية إسلامية من مختلف المذاهب والأطياف، في 139 دولة، مثّلوا 27 مكونًا إسلاميًا من مختلف المذاهب والطوائف، من علماء ومُفتين ومفكرين.

وفي رأي غالبية المحللين والمنصفين، فإن هذه الوثيقة التي جاءت في 29 بنداً، فندت كل المزاعم والأفكار التشويهية الملصقة بالإسلام كحزمة من القيم النبيلة، وتُعد عن جدارة واستحقاق بمثابة إقرار دستور تاريخي لإرساء قيم التعايش بين أتباع الديانات والثقافات والأعراق والمذاهب في الدول الإسلامية وتحقيق التوافق مع مكونات المجتمع الإنساني.. باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من هذا العالم بكل تفاعلاته الحضارية والبشرية وقيمه العليا المتعارف عليها.

قيمة الوثيقة أنها أكدت أن التنوع الديني والثقافي في المجتمعات الإنسانية لا يُبرر الصراع والصدام، بل يستدعي إقامة شراكة حضارية إيجابية، وتواصلاً فاعلاً يجعل من التنوع جسراً للحوار، والتفاهم، والتعاون لمصلحة الجميع، ويحفز على التنافس في خدمة الإنسان وإسعاده، والبحث عن المشتركات الجامعة، واستثمارها في بناء دولة المواطنة الشاملة، مع احترام تعدد الشرائع والمناهج، ورفض الربط بين الدين والممارسات السياسية الخاطئة لأي من المنتسبين إليه. قيمة الوثيقة أيضاً، أنها جددت الدعوة إلى الحوار الحضاري بصفته أفضل السبل إلى التفاهم السوي مع الآخر، والتعرف على المشتركات معه، وتجاوز معوقات التعايش، والتغلب على المشكلات ذات الصلة، إضافة إلى تجاوز الأحكام المسبقة المحمّلة بعداوات التاريخ التي صعدت من مجازفات الكراهية ونظرية المؤامرة، والتعميم الخاطئ لشذوذات المواقف والتصرفات، مع التأكيد على أن التاريخ في ذمة أصحابه، وبراءة الأديان والفلسفات من مجازفات معتنقيها ومدعيها.

هذه النقطة الأخيرة، ربما تضع حداً للعداوات المفتعلة على أساس روايات تاريخية، أدخلتنا في بؤرة التعصب والكراهية التي لسنا نحن أبناء اليوم مسؤولين عنها، وبالتالي لا يجب أن ندفع ثمنها -مهما كان تقييمها أو الاتفاق والاختلاف بشأنها- ولهذا جاءت المطالبة بسن التشريعات الرادعة لمروجي الكراهية، والمحرضين على العنف والإرهاب والصدام الحضاري، مسؤولية جماعية قد تكون كفيلة بتجفيف مسببات الصراع الديني والإثني، إضافة إلى ضرورة مكافحة الإرهاب والظلم والقهر، ورفض استغلال مقدرات الشعوب وانتهاك حقوق الإنسان، كواجب أخلاقي على الجميع من دون تمييز أو محاباة.

النقطة الأهم في الوثيقة، هي تلك التي تعد أطروحة الصراع الحضاري والدعوة للصدام والتخويف من الآخر؛ والتي روج لها كثير من المنظرين في الشرق والغرب، مظهراً من مظاهر العزلة، والاستعلاء المتولد عن النزعة العنصرية، والهيمنة الثقافية السلبية. والانغلاق، وما يتبعه من اختراع العداوات بين الأمم والشعوب.

حقيقة غاية في الأهمية، خلصت إليها الوثيقة، وهي أن ظاهرة "الإسلاموفوبيا" وليدة عدم المعرفة بحقيقة الإسلام وإبداعه الحضاري وغاياته السامية. وأن التعرف الحقيقي على الإسلام يستدعي الرؤية الموضوعية التي تتخلص من الأفكار المسبقة، لتفهمه بتدبر أصوله ومبادئه، لا بالتشبث بشذوذات يرتكبها المنتحلون لاسمه، ومجازفات ينسبونها زوراً إلى شرائعه.. وأعتقد أن هذه الأخيرة مهمة غاية في التعقيد علينا -كمسلمين وعرب- تحملها والدفاع عنها ومواجهة كل منتحلي الدين الحنيف بشجاعة وحزم.

هذه الوثيقة/ الدستور.. خطوة تاريخية جاءت في أيام مباركة وبجوار البيت العتيق، وبمباركة أبرز علماء الأمة ومفتيها ومفكريها، وهي رسالة انطلقت من أقدس بقاع الأرض للعالم، نأمل أن تكون نبراساً يصحح الكثير من الصور النمطية، ويضبط الممارسات من أجل عالم أفضل.