في العام 1987م صدر كتاب بعنوان (فن عقد الاتفاقيات) من تأليف رجل الأعمال الأميركي آنذاك دونالد جي ترمب، حصل هذا الكتاب على المرتبة الأولى كأفضل مبيعات. الكتاب يتمحور حول مهارات وأساليب المفاوضات للخروج باتفاقية تحقق أكبر قدر من المكاسب، من أبرز تلك الأساليب: الدخول للمفاوضات من منطلق القوة، وأن تحدث أكبر قدر من الخسائر لخصومك قبل الجلوس على طاولة التفاوض؛ من أجل أن يكون كل ما تقدمه لخصمك هو ما خسره قبل الاتفاق! وقد مارس الرئيس ترمب هذا النهج باحترافية مع الصين من خلال العقوبات التي فرضها على الشركات الصينية، وعلى رأسها شركة الاتصالات الصينية (ZTE) داخل أميركا.

على الصعيد العسكري ترمب لم يكن ميالاً لهذا الخيار كحل للنزاعات حول العالم ففي العام 2003 لم يؤيد حرب الخليج الثانية، وكان يحذر من تداعياتها الاقتصادية على أميركا، هذا الموقف أحدث صدعاً كبيراً في علاقة ترمب بعائلة بوش؛ حتى أن ترمب اعتذر عن حضور مراسم جنازة باربرا بوش زوجة بوش الأب لكي لا يتسبب بالحرج لأسرة بوش. اليوم ورغم الانتعاش الاقتصادي إلا أن الديْن العام الأميركي الذي تخطى 22 تريليون سقف لا يمكن بأي حال من الأحوال تغافله في إطار السياسة الخارجية لإدارة ترمب.

الكثير من الإعلاميين والسياسيين في أميركا يشبهون ترمب بالرئيس السابق (رونالد رايغن)، فكلاهما يتسم بالجرأة وروح المخاطرة؛ الأمر الذي يمكنهما من اتخاذ القرارات السريعة وإنجاز المهام دون التدقيق في التفاصيل والقواعد، وهو ما يضعف جانب الاحتراس لديهما. تطغى عليهما الشخصية البراغماتية أي التعامل مع الحلول والمشاكل من مفهوم الممكن وليس الواجب. كلاهما يؤمن بعظمة أميركا وأهمية دورها في تحقيق الأمن والاستقرار على مستوى العالم وأهمية تأصيل هذا المعني حتى لو اقتصر الأمر على استعراض القوة فقط. كذلك من أهم الجوانب التى يجب أخذها بعين الاعتبار هو أن الرئيس ترمب يصنف من الشعبويين، بل إن الإعلام يعرضه على أنه السبب وراء عودة وصعود هذه الظاهرة. الشعبويون يدركون أن الحروب وفقدان الأمن يولدان اللاجئين ويستفزان الهجرة؛ وهما عاملان أساسيان في التغير الديموغرافي والتأثير على الهوية داخل دول الغرب؛ لذلك ليس من المنطقي أن تكون الحلول العسكرية جزءاً من خطط وحلول ترمب.

من خلال هذا القراءة السريعة لشخصية ترمب وسيرته كيف سيتعاطى الرئيس ترمب مع التحركات الإيرانية في المنطقة وتهديدات نظام الملالي المتكررة سواء من حيث ضرب المصالح الأميركية أو العمل على تطوير مفاعلاتها النووية ووضع المنطقة في حالة غليان، فهل نحن مقبلون على صراع مسلح ضمن مفهومه التقليدي؟! أم سيعيد التاريخ نفسه ويتحول التهديد العسكري إلى اتفاقيات داخل الكواليس الدبلوماسية، كما حصل في الثمانينيات الميلادية في الفضيحة التي عرفت بـ(إيران كونترا) عندما دعمت أميركا إيران بالأسلحة خلال حربها مع العراق لتحقيق مكاسب ضد الدب الروسي -خصمها التاريخي- وذلك من خلال استغلال أموال الصفقة لتمويل حركات "الكونترا" المناوئة للنظام الشيوعي في نيكاراغوا.

اليوم إيران تعد لاعباً كبيراً في الصراع داخل فانزويلا عبر (طارق العيسمي) نائب الرئيس نيكولاس مادورو - والذي باشر بنفسه اغتيال مئة من الضباط المناوئين للرئيس نيكولاس- العيسمي تربطه علاقة وطيدة بحزب الله اللبناني، الذراع الإرهابي لإيران وقد استعان بهم لتصفية خصوم مادورو. هذه العلاقة ستنعكس بشكل مؤثر في الصراع بين إيران وأميركا، فالجمهوريون يرون في فنزويلا خطراً عظيماً؛ (كونها) من الدول التي تصدر الفكر الاشتراكي داخل أميركا، وقد حققت إنجازات كبيرة داخل التعليم والإعلام الأميركي بالتعاون مع شركائهم الروس. ضمن هذا السياق هل ستكون فنزويلا نيكاراغوا اليوم، مع الأخذ بالاعتبار أن ترمب شخصية تؤمن بعقد الصفقات وكتابه خير شاهد على ذلك.

هذا الافتراض هو مجرد إلقاء الضوء على مصالح أميركية خارج إطار المنطقة، لكن لا يعني بطبيعة الحال أن الإدارة الأميركية لن تسعى لتحقيق أهداف شرق أوسطية. فإيقاف تخصيب اليورانيوم وامتلاك القدرة النووية خط أحمر يجب أن يكون جزءاً من أي اتفاقية محتملة بالإضافة إلى الحد من قدرة إيران على إنتاجها صواريخ بالستية قادرة على حمل رؤوس نووية تضرب أهدافاً في نطاق 2000 كيلومتر. وأخيراً وليس آخراً إيقاف التدخل الإيراني في سيادة الدول المجاورة وتحجيم تمددها الذي حول المنطقة إلى بؤر للصراع عطل أهداف التنمية المستدامة على النطاق العالمي؛ ونظراً لكون السعودية تعد من أهم الدول الفاعلة والمؤثرة على برامج التنمية المستدامة في الدول النامية على مستوى العالم؛ لذلك يعد انشغالها بالتمدد الإيراني داخل دول الجوار طعنة في خاصرة هذا البرامج الذي يعد الهم الأول داخل أروقة الامم المتحدة. من هذا المنطلق يجب أن تدرك أميركا والعالم بأن نجاح برامج الأمم المتحدة وإنجاز أهدافها لن يتحقق إلا بدور فاعل للسعودية، وهذا الدور بطبيعة الحال لن يتحقق دون القضاء وبشكل نهائي على تمدد وخطر نظام الملالي المتنمر الذي يعد الطرف الوحيد المستفز لطبول الحرب والأحداث الأخيرة خير شاهد على ذلك.

1