تنجب نفس الرّحم توأماً كلّما حبلت، فبطن السّرد تحمل الزّمان والمكان وترسم بين السّطور معالم قد تخفى حتى على العيان، وتبرز على هكذا أساس مدن في حكايات في حين تولد حكايات وتموت في ذات المدن لتبقى الثّـنائية قائمة حتى حين.

كتاب أخذونا لمدن عرفناها في رواياتهم قبل أن نراها.. أخذونا في أزقّـتها وتجولنا في ميادينها وعرفنا حديث عقول أهلها وصراخ باعتهم ودليلنا الوحيد هم أدباء نقلوا لنا المكان في رواياتهم حتى كأنّه رأي عين.

باريس هوجو

من المدن ما وقع صيتها في أنفسنا الموقع الحسن، وأدركنا كثيراً من تفاصيلها دون أن نراها حتى، فقد تعرّفنا على «باريس» مثلاً من خلال البؤساء عبر شخصية «جان فالجان»، وهو الرّجل الذي سجن لعقدين بسبب سرقة رغيف من الخبز أنقذ به طفلاً جائعاً.  فسرنا عبر أزقة المدينة لنكتشف معالمها، ولا يستطيع زائر لعاصمة الأنوار إلا أن يتبع قدميه وهما تسيران به إلى «حدائق اللوكسمبرج»، ذلك المكان الذي شهد حب «كوزيت» و»ماريوس». وقد عادت باريس مع «فيكتور هوجو» في رواية «أحدب نوتردام» لتُـبسط  أمامنا «كاتدرائية نوتردام» حيث دارت الحكاية مع إطلالات من السّطح كشفت المدينة مع تفاصيل البيوت، وأصبح القارئ يسمع الأجراس والنّواقيس وهو يتجوّل بين السّطور ويقلب الصّفحات ليُصبح كمسافر تنقله قدماه حيث تصل عيناه.

رغب «هوجو» في المزج بين إعاقة «كوازيمودو» «الأحدب» وبين التّـقابل في بنيان «كاتدرائية نوتردام» بخليط بين القوس القوطي والقبة الرّومانية والعمود الإغريقي لتكون الخلاصة فنّاً متجانساً على اختلاف أصوله. فلا يملك من قرأ الرّواية وسنحت له فرصة زيارة باريس إلا أن

يجد ما يشاهده واقعاً اليوم عالقاً في أخيلته التي أوجدتها الرواية بالأمس وكأنه يزورها للمرة الثانية.

قاهرة محفوظ

وُلد نجيب محفوظ في حي «الجمالية» بالقاهرة، فكانت هذه المدينة على هذا الأساس حاضرة وبارزة في عدد من أعماله حيث تدور معظم أحداث رواياته في مصر وبالأخص في مسقط رأسه: القاهرة. لم يعد القارئ مع نجيب محفوظ في حاجة إلى جواز سفر ولن يطلب بعد اليوم موعداً في المطار كي يرى قاهرة المعز لأنّه يمكنه وبكل بساطة أن يزورها عبر روايات نجيب.

في ثلاثية القاهرة «بين القصرين» و»قصر الشوق» و»السكرية» التي رأينا فيها حي «الجمالية» وحالة البيوت وجمالها وتجلّت أمامنا دون خفاء لترسم أمامنا الدور بوضوح. ففي الجزء الأول من الثلاثية: «بين القصرين» تجوّلنا خاصة في منطقة «الحسين» مطلعين على خفايا قد لا ينتبه لها حتى الزّائر المشاهد. وفي جزء «السكرية» زرنا حي «السكرية» لنطلع عليه وكأننا مقيمون لا قراء رواية.

شقة القصيبي

وكيف نعبر القاهرة دون ذكريات الدكتور غازي القصيبي وشلة الكرام في «شقة الحرية»

ففي هذه الرواية عشنا حقبة ثقافية مهمة في تاريخ القاهرة.. شعرنا بكراسي قاعات جامعاتها وشممنا رائحة الخبز من عربات باعتها وشهدنا الصراعات الفكرية والثقافية التي عج بها زمن عاش فيها غازي طالباً في جامعة القاهرة في فترة ما بعد ثورة الضباط الأحرار.

عشنا في الكتاب حياة أخرى.. وحاولنا أن نكشف شخصيات شلة الشقة فأيهم غازي وأيهم عبدالرحمن رفيع الذي قال في لقاء له أنه أحد فرسان شقة الحرية.

مدن ومدن

بين ثلاثية نيويورك لـ»بول أوستر» وبيروت غادة السمان وعدامة تركي الحمد تبرز مدن وتختفي أخرى، فيسافر القراء عبر تفاصيل قطار الكتابة مع سائق أديب يبسط يديه بالمجان ليحتضن كل راغب في المعرفة، فيصحبه في جولات بين الدّور والأزقّـة يخرج بعدها خبيراً بالبلد وأهله ومطلعاً على تفاصيل كثيرًا ما تخفى على من عاشوا سنيناً في تلك المدن.

نجيب محفوظ
فيكتور هوجو