ما تفوهت به (أجنيس كالامارد)، المحققة في الأمم المتحدة حول ما زعمت أنه أدلة تشير إلى مسؤولية المملكة عن مقتل الصحافي جمال خاشقجي "رحمه الله"، لا يمكن اعتباره جديداً في ظل اختطاف قرارات الأمم المتحدة ومنظماتها، من قبل القوى الدولية الكبرى، أو تلك الدول التي تمارس السياسة على مبدأ الصفقات التجارية، وتخضع المنظمة الدولية إلى أهوائها ومصالحها.

وعلى الرغم من أن تصريحات (كالامارد) لا تخرج عن الحملات الإعلامية التي استهدفت وتستهدف المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، بسبب مواقفها الداعية إلى حماية المصالح العربية والإسلامية، وما تمثله المملكة من ثقل إقليمي بل عالمي مهم، لكن اللافت في الأمر هو ذلك التوقيت المشبوه الذي يبدو أنه اختير بدقة للإدلاء بهذه التخرصات، التي تحاول الاصطياد في الماء العكر، والتمهيد على ما يبدو لسيناريو ابتزاز للمنطقة المثقلة بالجراح والأزمات بسبب هذه المنظمة غير المنصفة وغير العادلة، وربما هناك غضب شديد وانزعاج كبير من المملكة التي تضطلع بدور كبير في العمل لمحاصرة المخططات الإيرانية التوسعية في المنطقة، التي يبدو أنها أسهمت في تعرية المواقف الإيرانية، وفضحها، وبالتالي فإن هذه التخرصات لا تبتعد أبداً عن محاولات البعض تخفيف الضغط عن إيران، وتحويل الأنظار عن المؤامرات التي تحيكها طهران، لتمرير صفقات سرية بين ملالي إيران وأطراف دولية، صفقة يبدو أن ثمنها دفع حديثا وسلفاً، في ظل ما تتعرض له إيران من حصار دولي وسخط داخلي، لتكون هذه المواقف (الديماغوجية)، أشبه بقشة الخلاص لإيران، من خلال تحويل الأنظار عنها، عبر فتح ملفات عديدة في وجه المملكة العربية السعودية التي كانت ولا تزال تتعامل مع قضية الصحافي (خاشقجي)، بما تمليه الأطر القانونية والشرعية المعمول بها في المملكة، التي لا تتخالف والقوانين الدولية، حيث لم تتأخر الرياض عن إعلان حيثيات الجريمة وبيان الحقيقة في مصير الضحية، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية، بمنتهى الشفافية والموضوعية.

ويبدو المنطق الأعوج الذي تبنته كالامارد عندما دعت إلى توسيع نطاق العقوبات لتشمل المملكة، وهو أمر يبدو مستغرباً حتى على العرف الدبلوماسي، إذ كيف يكون من حق المحقق القانوني إصدار الأحكام، التي تترك عادة إلى المحاكم والقضاء والعدل، وليس إلى المحقق هذا أو ذاك، ولا سيما أن كالامارد زارت تركيا في وقت سابق من العام مع فريق من الخبراء القانونيين وخبراء الطب الجنائي، وقالت إنها حصلت على أدلة من السلطات التركية، وهي السلطات نفسها التي حاولت ولا تزال تسعى إلى استعلال الحادث أبشع استغلال، وإدخاله في سوق الصفقات السياسية، وفلسفة الابتزاز التي برع فيها البعض جيداً.

لذلك فإن توقيت هذه التصريحات في هذه الأيام، يأتي في وقت تبدو فيه المنطقة أحوج ما تكون للتعاون في ملف إيران، الذي بات لا يهدد الخليج وحسب وإنما العالم أيضا، وبالتالي يمكن لنا أن نتساءل عمن له مصلحة في إضعاف الموقف السعودي، والعربي عامة، من خلال ذر الرماد في عيون العالم لحرف أنظاره عما يهدده بالفعل.

ونقول إن (أجنيس كالامارد)، المحققة في الأمم المتحدة، بتصريحاتها تلك تفتقد دليلاً آخر على عدم حيادية المنظمة الدولية وانحيازها والتخبط، وتسييس قراراتها، لتتطابق مع قوى عالمية متنفذة، أو تتلاءم مع صفقات ثنائية وغيرها بدأت رائحتها تنتشر في الأفق، وقد تكون إيران جزءًا أساسياً فيها، فهل يفتح العالم عينيه على الحقائق، أم أنه سيبقى يدور في الفراغ، ورهين المساومات والصفقات المشبوهة، والكيل بمكيالين، والتصرف بمعايير مزدوجة وغير عادلة وغير منصفة وغير واقعية ومقنعة أصلا، والنظر إلى بعض القضايا بعين واحدة.

على الرغم من تأكيد الأمم المتحدة على دعم الديمقراطيات الناشئة في العالم، وإنفاق الأموال الطائلة على برامج دعم الديمقراطية؛ إلا أنّ تاريخ الأمم المتحدة في المنطقة العربية حافل بعدم الحيادية، فيما يتعارض مع المثل والأخلاقيات التي يروّج لها الإعلام الغربي.

وبعد سنوات وعقود طويلة من عدم قيام مجلس الأمن بواجباته تجاه معاناة الشعب الفلسطيني، كان ظنّ الفلسطينيين والعرب كما المسلمين عامّة، أن السّببَ الحقيقي، عدم جديّة الدّول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بتطبيق القرارات عدلاً وإنصافاً؛ فقد كانت قرارات الفيتو الأميركي، تعطّل كل مشروع قرار فيه إدانة للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين؛ بينما لو كان العدوان ذاته قد وقع على شعب آخر سوى الفلسطيني، من قِبل دولة غير إسرائيليّة، لتغيّرت الموازين الدّولية!!.

نعم، لقد كانت القضية الفلسطينية من أكثر القضايا الدولية، التي أثبتت انحياز مجلس الأمن والدول الكبرى فيه، أميركا وبريطانيا وفرنسا وروسيا خاصّة، إلى جانب العدوان الإسرائيلي، وعدم تطبيق القانون الدولي عليها، على الرّغم مِمّا تقوم به من مجازر حرب وإبادة بشرية، من نحو ما حصل في السّنوات الماضية في الغارات الحربية على الفلسطينيين، دون تحرك مجلس الأمن ولا الدول الكبرى بمواقف تردع العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، حتى أصبحت القضية الفلسطينية معياراً لتقصير مجلس الأمن؛ بل معياراً لـ “ازدواجية المعايير” لدى مجلس الأمن والدول الكبرى في تناول القضايا الدولية.

كما ما زالت الأمم المتحدة، ومختلف المنظمات التابعة لها، تواصل تدليلها لميليشيات الحوثيين في اليمن، رغم فظاعة الانتهاكات المتكررة التي ترتكبها ميليشيات الانقلاب ضد المدنيين، وأيضا ضد المبعوثين الأممين إلى اليمن أنفسهم وضد العاملين مع منظمات إغاثية تتبع الأمم المتحدة ذاتها، واللافت أن التدليل الأممي للميليشيات الحوثية الإرهابية مستمر منذ ما قبل اندلاع الحرب حتى الآن.

ورغم اتخاذ الأمم المتحدة لبعض القرارات التي تدين الميليشيات الحوثية، وتحملها مسؤولية الوضع الإنساني المتدهور في البلاد جراء الانقلاب، لكن ما يتضح حتى الآن هو أن أقوال الأمم المتحدة وقراراتها هشة وغير مجدية، فيما يتعلق بميليشيات الحوثيين، عادة ما تناقض أفعالها في الواقع، وهو ما فهمته الميليشيات الانقلابية بأنه ضوء أخضر لها من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، لمواصلة انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وعرقلة مساعي الحل السلمي للأزمة اليمنية.

ظهرت تناقضات الأمم المتحدة، في تعاملها مع ميليشيات الحوثيين، منذ مرحلة ما قبل الانقلاب على السلطة الشرعية، فمنذ عام 2011، أصدرت الأمم المتحدة ثمانية قرارات تقريبا، وكل هذه القرارات أدانت الميليشيات الحوثية، وبعضها طالبت الميليشيات الحوثية بالانسحاب من المؤسسات الحكومية التي سيطرت عليها، كما استنكرت إعلان الميليشيات حل البرلمان، وغير ذلك من الخطوات التي اتخذتها بعد سيطرتها على العاصمة صنعاء، كما استنكرت الأمم المتحدة استخدام الحوثيين العنف لتحقيق أهداف سياسية، والاستيلاء على المؤسسات الإعلامية الرسمية، وحثت عبر تلك القرارات على الحل السياسي للأزمة اليمنية واستكمال المسار السياسي وفقا للمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، وتبدو جميع قرارات الأمم المتحدة بشأن اليمن منطقية، ولا تتعارض مع دستور البلاد أو مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. تحولت قرارات الأمم المتحدة، بشأن اليمن، إلى حبر على ورق، بعد أن بدأت تتكشف عديد من الفضائح لهذه المؤسسة الفاسدة والرخوة التي أثبتت تناقضها واستخدامها سياسة الكيل بمكيالين في التعامل مع الحوثيين، فمن جانب تتغاضى عن جرائم الحوثيين وتقدم لهم مختلف أنواع الدعم غير المباشر، ومن جانب آخر تعتمد في تقاريرها الإنسانية عن اليمن على روايات الحوثيين، لدرجة أن بعض جرائم قتل المدنيين التي ارتكبها الحوثيون، وثبوت أدلة ذلك، لكن الأمم المتحدة حملت التحالف العربي مسؤولية ارتكاب مثل تلك الجرائم، بناء على روايات الحوثيين، من دون الاستماع لروايات أطراف محايدة، أو أن تتولى هي التحقيق في تلك الجرائم، مثل جريمة قصف الحوثيين لسوق السمك في الحديدة، في بداية أغسطس 2018، وغيرها من الجرائم المشابهة، التي حملت الأمم المتحدة التحالف العربي المسؤولية عنها.

كما أن تعاطي المنظمات الدولية مع الانتهاكات التي ترتكبها الجماعات الحوثية بشكل سطحي، يولد لدى هذه الميليشيات الانطباع بأنها تحظى بتعاطف دولي يدعم ما تقوم به من انتهاكات؛ حيث تفتقر تقارير الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في اليمن للحياد والموضوعية، خاصة أنه تجاهل جرائم ميليشيا الحوثي.

كما أن هذه الميليشيا باتت مفضوحة أمام المجتمع الدولي وأمام الشعب اليمني المغلوب على أمره، وأثبتت أنها لا تقيم أي اعتبار لجهود مجلس الأمن، ورغم ذلك نجد من يتغاضى عن هذه التصرفات، ما يساعدها على الاستمرار في ممارساتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان في اليمن، خاصةً أن إجمالي عدد القتلى والمصابين والمختطفين في اليمن خلال الفترة من سبتمبر 2014 حتى سبتمبر 2018 تجاوز 67 ألف شخص جراء انتهاكات ميليشيات الحوثي.

كما أغفلت كل التقارير أهم جريمة وهي زراعة الألغام، حيث تشير التقديرات إلى أن ميليشيات الحوثي زرعت نحو مليوني لغم تسبب في قتل المدنيين وبتر أطرافهم، إلا أن التقرير أغفلها تماماً كما أغفل جريمة استخدام المدنيين كدروع بشرية وتجنيد الأطفال والقاصرين وزجهم في أتون الحروب المدمرة، كما أن الميليشيات الحوثية الموالية لإيران نهبت أكثر من خمسة مليارات دولار من البنك المركزي اليمني، ما أدى إلى تدهور الاقتصاد اليمني، وتحويل المجتمع اليمني إلى متسول ويعيش تحت الفقر.

أمّا قصة الشعب العراقي في الحصار والعقوبات الدولية التي دامت ثلاثة عشر عاماً، تحت أكاذيب لفّقتها الإدارة الأميركية السّابقة، فليست ببعيدة، وقد كانت نهايتها أكثر ألماً على الشعب العراقي والعربي والأمّة الإسلامية؛ إذ انتهت باحتلال العراق عام 2003 بذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل، والحقيقة التي أُقرّت، أن لا أثر لأسلحة دمار شامل على الأراضي العراقية، وأنّ أميركا لم تقم سوى بتدمير العراق، والقضاء على جيشه، ونشر بذور الفتنة الطائفية؛ فضلاً عن تأسيس قواعد الإرهاب والمنظمات الإرهابية في العراق وسورية ولبنان واليمن، بل دول المنطقة والعالم الإسلامي برمته، كما تم اكتشاف أكثر من 2500 جثة لم يتم التعرف على أصحابها من المدنيين، ووجود أكثر من 4000 جثة أخرى شمال العراق، وما زالت ترزح تحت الأنقاض، فأين الأمم المتحدة؟ وأين كالامارد من هذه الجرئم البشرية الواضحة والفاضحة؟

أما انحياز أميركا إلى السّياسة الإيرانية، فأصبح رأياً عاماً في أميركا نفسها، فالكتاب الأميركيون يقولون إنّ الرئيس الأميركي الأسبق أوباما طالب إيران تأخير اتفاقها مع الإدارة الأميركية السّابقة لحين توليه الرئاسة الأميركية، وعقد معها اتفاقاً استراتيجياً لإطلاق يدها في المنطقة العربية، مقابل تخلي إيران عن مشروعها النووي، وعدم تعرضها للمصالح الأميركية في الشرق الوسط، وعدم تعرضها للمد الإسرائيلي، وعلى هذا الأساس أطلقت أميركا يد إيران القاتلة في العراق وسورية واليمن وغيرها، وهي تعلم – أي أميركا - أنّ السياسة الإيرانية سياسة طائفية بامتياز، وأنها ستدمر العراق تدميراً كاملاً، وأنّها ستقضي على جيشه واقتصاده ونفطه وحضارته، وأنها ستمزق شعبه وتسمّم أرضه وسماءه، والأمر ذاته أتاحته أميركا لإيران في سورية… وبعد ذلك تقف أميركا مُدّعية الانحياز إلى الحلول السياسية التي تقدّمها إيران وروسيا للأزمة السورية!!

ويظل الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث، انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي، وهذا الانتهاك يعد «جريمة مستمرة، ولا يبرر هذه الجريمة، قيام الجانب الإيراني باتخاذ أي إجراءات إدارية أو إنشائية على الجزر المحتلة، ولا سيما أن دولة الإمارات تباشر، وبصفة منتظمة، الاحتجاج القانوني والدبلوماسي على هذا الاحتلال الإيراني، أمام منظمة الأمم المتحدة، ممثلة على وجه التحديد في الجمعية العامة، فضلاً عن الاحتجاجات الإماراتية القانونية أمام المنظمات الإقليمية، سواء على صعيد جامعة الدول العربية، أو منظمة التعاون الإسلامي".

وتتجاهل إيران، عن عمد، حقائق التاريخ والسيادة الوطنية الإماراتية على الجزر الثلاث، بما يزعزع بالأساس الأمن والاستقرار في المنطقة، ويدفع إلى تهديد الأمن والسلم الدوليين، اتصالاً بالنهج الإيراني في إثارة التوترات بالمنطقة والتدخل في شؤون دولها، خاصةً أن قضية الجزر الثلاث، هي قضية أمن قومي عربي، لهذا هي حاضرة في كل المحافل العربية الرسمية، ولن يكف العرب عن المطالبة بحق الإمارات في السيادة على جزرها الثلاث.

أما قضية دولة الأحواز العربية فحاضرة عبر تاريخ العرب منذ القدم، وذكرت في كتاباتهم القديمة في عديد من المواقف والأحداث المهمة عبر التاريخ، وتعتبر دولة الأحواز ذات أهمية استراتيجية في وقوعها على طول الخليج العربي، وامتدادها الإقليمي لحدود الهند وإيران والعراق، إضافة إلى أنها تقع على بحر من الثروات الطبيعية كالنفط والغاز، والأهم من ذلك أنها تحتوي على أراض زراعية خصبة. هذا التميز الذي تتمتع به دولة الأحواز العربية جعلها على مر التاريخ مطمعا للغزاة والمحتلين، ففي العشرين من أبريل عام 1925، وقعت مكيدة تاريخية عظيمة، خطّطت لها بريطانيا الاستعمارية، وتواطأت على تنفيذها مع بلاد فارس التي أُطلِقَ عليها منذ ذلك التاريخ اسم: إيران، وكان من نتائج هذه المكيدة التاريخية ابتلاع واحتلال هذه المدينة العربية الشاخصة بتاريخها العربي الواضح.

ودأبت الأنظمة الإيرانية المتعاقبة على جعل الأحوازيين يعانون التمييز والإقصاء والتهميش في فرص العمل والرتب الوظيفية، ومنعتهم من العمل في المنشآت النفطية في مناطقهم، وتسعى طهران باستغلال سلاح الضغط الاقتصادي على سكان الإقليم إلى تهجير الأحوازيين من مناطقهم لتغيير ديموغرافيتها، وهو مخطط فضحته وثيقة رسمية تسربت من مكتب الرئاسة الإيرانية عام 2005، وكشفت عن توطين ممنهج لعرقيات في الأحواز، أبرزها الفرس واللور والبختيار، وعلى الاضطهاد الذي يعانيه الشعب الأحوازي، والتطهير العرقي والعنصري الذي دام قرنا ما بين القتل والتنكيل والتشريد والإعدامات التي مورست بحق أبناء الشعب الأحوازي، ولكن كل محاولاتهم وإرهابهم باءت بالفشل والخذلان رغم الممارسات القاسية المرتكبة بحق أبناء الأحواز. ولم تتأخر مقاومة الأحوازيين للاحتلال الإيراني، وقاموا بعدة ثورات سجلت على مر التاريخ ضد الاحتلال الإيراني، الذي اغتصب أرضهم، ونهب خيراتهم، وجفف أنهارهم، وقضى على مزارعهم، فأين الأمم المتحدة في قرارها العادل والمنصف تجاه هذه القضايا العربية التي ما زالت في أدارج الأمم المتحدة؟!