كان د. عبدالرحمن الشبيلي رفيع التعامل مصقول الخلق كبير الحياء متواضعًا جم التهذيب، وكانت حياته حافلة بالعطاءات المستمرة والعمل الجاد..

في منتصف الثمانينات الميلادية، اختارني معالي الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ وزير التعليم العالي رئيسًا لتحرير مجلة المبتعث في الولايات المتحدة الأميركية.

وكنت أراها - من جانبي - فرصة واسعة تتوافر فيها كل عوامل النجاح، فأهل الصحافة لم يجربوا بعد مكافأة أوقع في أنفسهم من توثيق علاقتهم بالصحافة وانحيازهم الواعي للإعلام.

فالصحافة تحد مستمر يطرح نفسه يوميًا، يدعو إلى تجاوز الإنجاز إلى إنجاز أكبر منه، وتكريس العطاء الجاد يجعله مستمرًا ومتجددًا.

كنت أطمح أن تصير مجلة المبتعث الصوت الفرد، الذي يصيخ إليه كل العرب الموجودين في أميركا إعلاميًا، وهذا الطموح الذي يبدو كبيرًا ليس طموحًا مستحيلًا؛ لكونها مجلة تحاط بجمهور مميز، نواتهم تتشكل من المبتعثين؛ أي من مجموعة من ذوي التدريب الجامعي على الأقل، ولذلك لا أعتبر نفسي مسرفًا في التمني عندما أضع المجلة في مستوى هذا الطموح.

هذه الاعتبارات قادتني إلى وضع أفكار تطويرية للمجلة، عرضتها في حينها على معالي الشيخ حسن بن عبدالله آل الشيخ، الذي أحالها بدوره إلى فريق متخصص لدراستها، وكان من بينهم د. عبدالرحمن الشبيلي.

كانت علاقتي بالدكتور عبدالرحمن الشبيلي علاقة ثقافية، فقد كان الرجل ودودًا ومحنكًا ومثقفًا، يبهرك بعمقه وبساطته وإنسانيته، يمتلك منهجية اللطف، ويعرض لك أفكاره في قالب أدبي فريد.

وكان باستمرار في تماهٍ مع الآخرين، وكان إلى جانب ذلك شخصية إعلامية وأكاديمية، عاش المفارقة ما بين الإنتاج والمسؤولية، وكان جامعًا بين الصفتين، وكان يأخذهما كموقف إبداعي.

تعاطف مع مشروعي التطويري تعاطفًا عميقًا، محاولًا تبسيط الواقع الموضوعي، ورسم صورة زاهية لمنطلقات التطوير الإعلامي في المجتمع الأميركي.

وقد أظهر بشكل مقنع ومن تجربة سابقة في الولايات المتحدة الأميركية، عندما كان يدرس الإعلام في جامعة أوهايو، أن مسائل التطوير والتجديد تقوم على فهم البيئة الجديدة، التي يفترض أن تعكس ما يدور في المجتمع الطلابي بأمانة ودقة.

كان يحاول أن يؤكد أن هذا المشروع الصحافي قد لا يأتي على الوجه الأمثل ويحقق تطلعات التطوير.

المغزى من هذا كله هو أننا في لحظة ما نفعل دائمًا ما نعرفه، ولكن بمزيد من الفحص والوعي والتدقيق نكتشف شيئًا آخر.

حينها تذكرت مقولة هوبرت هاوكز عميد كلية كولمبيا، إن نصف الإخفاق في هذا العالم يرجع إلى اتخاذ قرارات قبل أن تكون الحقائق والمعلومات كافية.

كان يريد مني أن أتبين الواقع الجديد، وأتحول عن العالم الصحافي الذي أعرفه إلى عالم صحافي جديد، مع الأخذ في الحسبان أن المجلة تصدر في وسط إعلامي مختلف عن الوسط الإعلامي الذي ألفناه، وفي بيئة ثقافية مباينة تمامًا لموروثنا الثقافي، ثم إنها تصدر لجمهور من القراء يتشكل في جيوب من الطلاب المبتعثين متناثرة في الولايات والمدن الأميركية، لربما لا تستطيع أن تعيش حياتها الاجتماعية إلا داخل المساكن أو مناسبات تجمعاتها داخل الأندية الطلابية السعودية.

كل هذه التحديات تجعل مسألة التطوير محكومة بتلك الاعتبارات والفرضيات.

ولا بد أن أعترف بأنه أرشدني إلى أشياء لم أكن أفكر فيها من قبل، كما أنه غيَّر موقفي إعلاميًا من أشياء كنت أؤمن بها.

ومعروف أن حياة الصحافة وروحها يكمنان في مقدرتها على الصعود بالتجارب ما بين القارئ والتحرير إلى أجواء الالتحام الكامل وإخصاب الحياة الأكاديمية بالطرح المتحمس الجريء للقضايا، بحيث تصير جزءًا مهمًا من نقاشات الكافيتيريا والردهات المكتظة بالمنتظرين بين محاضرة وأخرى.

ففي كل العالم تعيش الصحافة الطلابية وتتنفس أجواء الجامعة فيها رائحة المدرجات والمكتبات والمعامل، وتحمل هموم المجتمع الطلابي.

فالمطبوعة الطلابية تتحدث بلسان الطلاب، وتحاول تفسير الأحداث من وجهة نظر طلابية، وتعطي تفسيرًا مختلفًا عن التفسير السائد، وتخاطب قارئها الخاص بأسلوب متميز، ومن هنا كانت مثيرة للاهتمام في دائرة قرائها.

مضت فترة الثمانينيات الميلادية وأخذت المجلة مكانها اللائق في درج الصعود الإعلامي، واستقرت على نسقها النهائي كمجلة متطورة.

وكان وجودها في واشنطن قد فتح لها منصات تعبير أحدثت تفاعلًا إعلاميًا خلاقًا، نقل المجلة إلى فضاء ثقافي وإعلامي واسع.

وقبل مجلة المبتعث كنت على صلة علمية بالدكتور عبدالرحمن الشبيلي، فقد كنت عضوًا في لجنة الوثائق والمطبوعات، التي كان يرأسها، وقد أسند إلي سكرتارية وعضوية اللجنة.

ولكن على أي حال يبقى د. عبدالرحمن الشبيلي رفيع التعامل مصقول الخلق كبير الحياء متواضعًا جم التهذيب، وكانت حياته حافلة بالعطاءات المستمرة والعمل الجاد.

واليوم غادرنا وترك لنا تراثًا إعلاميًا وثقافيًا كبيرًا.