قبل عدة سنوات شاهدت فيلم سيد الخواتم، وشدتني المناظر الخلابة التي تضمنها العمل السينمائي. وبعد بحث وتقصٍّ تبين لي أن الفيلم تم تصويره في نيوزيلندا في أقصى جنوب الكرة الأرضية؛ حيث لا تفصلك عن القطب الجنوبي إلا سويعات محدودة، وكان ذلك الفيلم هو السبب الرئيس في أن أتجه إلى هناك مصطحبًا أسرتي لزيارة ذلك البلد.. مقالة اليوم تناقش العلاقة بين صناعة المحتوى وصناعة الثقافة والاقتصاد.

أصبح المحتوى الإعلامي من رسوم متحركة وألعاب فيديو وأعمال سينمائية ومسلسلات أداة استثمار مهمة لتسويق المدن والثقافات وجذب السياح والاستثمارات. فبعد عرض مسلسل الكرتون (ليدي أوسكار) في اليابان، الذي كان يحكي قصة شخصيات تعيش أحداث الثورة الفرنسية، ازداد عدد السياح اليابانيين إلى فرنسا، وخصوصًا قصر فرساي، الذي كان أحد أهم المواقع في المسلسل، ورغم مرور ما يقارب أربعين عامًا على عرض المسلسل، فلا تزال شركة مستحضرات تجميل فرنسية تستخدم الشخصيات الكرتونية للدعاية لمنتجاتها في اليابان.

الأمر نفسه ينطبق على سكة حديد (شنيغ بلات) قرب مدينة انترلاكن السويسرية، التي تأخذ زائريها بالقطار البخاري إلى قمم جبال الألب، وتقوم بتقديم شرح بنحو سبع لغات عالمية مسجلة آليًا للسياح. واللطيف أن الصوت الياباني بعكس بقية الأصوات، كان لصوت طفلة تبين لي لاحقًا أنها صوت شخصية هايدي من المسلسل الكرتوني، الذي يعرفه كثيرون في العالم العربي؛ حيث قررت سكة الحديد استخدام شخصية هايدي للتسويق للسياح لزيارة تلك المناطق.

ولمن يعشقون لغة الأرقام، ففي عام 2016م تم عرض فيلم الرسوم المتحركة (اسمك)، الذي تضمن مشاهد من قرية يابانية نائية اسمها (هيدا)، لا يتجاوز عدد سكانها خمسة وعشرين ألف نسمة. ولكن، وبعد عرض الفيلم، زار القرية خلال خمسة أشهر نحو 750 ألف شخص، أو ما يوازي ثلاثين ضعف عدد سكان القرية، وبلغ العائد الاقتصادي لهؤلاء السياح نحو 160 مليون دولار أميركي.

وننتقل إلى مثال آخر وهو مسلسل صراع العروش، الذي تم تصوير أجزاء منه في آيسلندا. وفي عام 2001م لم يتجاوز عدد السياح ثلاثمئة ألف بعائد اقتصادي يصل إلى 286 مليون دولار. ولكن وبعد عرض المسلسل، وصل عدد السياح عام 2018م إلى أكثر من 29 مليون سائح بعوائد اقتصادية وصلت إلى ثلاث مليارات دولار أميركي. 

وقد يتساءل البعض هنا: ما معادلة النجاح لهذا النموذج سعوديًا وعربيًا؟ أولاً، لا بد أن يكون المحتوى عالي الجودة وبمعايير عالمية قادرة على المنافسة. ثانيًا، لا بد من الاستثمار بقوة في التوزيع كما تصنع الحكومة الكورية بدعم المسلسلات والأغاني ماديًا وتقديمها مجانًا للمحطات التلفازية الدولية لتسويق الثقافة الكورية. وأخيرًا وهو الأهم، وجود رؤية وإيمان بقدرات الشباب والموهوبين من أبناء الوطن، وتمكينهم وتأهيلهم لبناء قدرات صناعة محتوى إبداعي، يقدم ثقافتنا الأصيلة بأعلى جودة، وينافس بكل قوة في الساحات العالمية.