فقيه إيران «مدرّس» استخدم السياسة والطائفية في «محاربة الحرمين»

أصدر مركز البحوث والتواصل المعرفي بالرياض دراسة حديثة موثّقة حول تسييس الحج وأبرز أحداثه وشخصياته منذ قرون عدة، في بحث اعتمدت تقصي المصادر والمراجع الفارسية القديمة، والدراسات الحديثة المبنية على وثائق فارسية وعثمانية تخص المراحل المختلفة توخياً للأمانة والإنصاف، لتحقيق الهدف من الدراسة، وهون معرفة الحقيقة، بحسب ما ذكره الباحث الدكتور عائض آل ربيع.

وبيّنت الدراسة أن جوهر الخلاف في العلاقات الصفوية العثمانية في ظاهره كان تنافساً سياسياً مذهبياً، ولكنه في الحقيقة سياسي مغلف بغطاء مذهبي، فقد بادرت الدولة الصفوية باستخدام المذهب الشيعي الاثنى عشري ركيزة أساسية وسلاحا تواجه به الدولة العثمانية، وقد تعاملت الدولة العثمانية بالمثل، واستخدمت الهجوم بدلاً من الدفاع، وأجحفت إجحافا شديداً بالحجاج الإيرانيين في تلك الحقبة، ويشهد على ذلك الشيخ محمد رشيد رضا في مقالة نشرها في صحيفة أم القرى حول ما كان يتعرض له الإيرانيون من العثمانيين في الحجاز:

"شيعة العجم كانوا مضطهدين منبوذين في الحجاز، وكان كل شيء يؤخذ منهم مضاعفا، من أجور بيوت وخيام وغير ذلك، وكان الواحد منهم يبذل للرجل من أهل مكة عشرات الجنيهات ليحج بدلاً من بعض أهله". وقد كانت اعتداءات العثمانيين على الحجاج والزوار الإيرانيين مثاراً لاستغراب العرب والسنة أنفسهم، حتى إنه في عام 1236هـ كان جمع من خدم الشاه الإيراني الشخصي وبعض حريمه متجهين إلى الحج من طريق أرضروم، فهوجمت قافلتهم، ونُهبت أمتعتهم، لكن اللافت للنظر هو أنهم لم يتهموا قطاع الطرق أو البدو بذلك، وإنما اتهموا المسؤولين العثمانيين بذلك.

"مدرّس".. رجل التحريض الأول:

تكشف الدراسة أن الفقيه الإيراني حسن مدرّس سعى في البرلمان الإيراني إلى منع حضور إيران المؤتمر الإسلامي الذي دعا إليه الملك عبدالعزيز رحمه الله، ثم سعى بعد ذلك إلى استصدار قرار بمنع الحجاج من الذهاب إلى المشاعر المقدسة، فمنعت إيران حجاجها من القدوم إلى الحج، وقد نشر رشيد رضا في ذلك مقالاً مطولًا في الصحف المصرية، أوضح فيه أن منع إيران حجاجها من المجيء كان له جوانب طائفية سياسية. وأشار إلى أن حكومة إيران تريد إحداث فتنة، مؤكداً أن قوافل الحجاج تتردد جيئة وذهابا بين الحرمين الشريفين من غير حرس يحرسهم ولا إتاوة يتقاضاها أحد منهم، وهذا أمر لم يتحقق منذ قرون حتى تولى الملك عبدالعزيز الإشراف على شؤون الحج.

وعندما تولى الشاه الجديد رضا بهلوي الحكم في إيران طوى صفحة تاريخية استمرت طويلاً، وبدأ عهدا جديدا من تاريخ إيران، لكن مدرّس قاوم الشاه في البرلمان وفي المساجد والحسينيات، وقام بعقد اجتماع في مسجد في طهران، وتحدث عما يحدث في أرض الحجاز بزعمه من اضطهاد للحجاج، وبهذا يتضح أن حسن مدرّس كان هو المحرك الكبير للقضية. لكن الشاه رضا بهلوي أدرك بحدسه أن من يعارضونه ويؤججون قضية الحج ويحاولون الالتفاف على سلطته وصلاحياته هم مجموعة من رجال الدين الإيرانيين الغلاة، فسعى إلى التخلص من المتشددين منهم، وعمل على اجتثاثهم من الحظوة، والحد من نفوذهم الكبير في النظام التقليدي الإيراني، وبذلك استطاع الشاه أن يزور الحرمين الشريفين ويتشرف بكونه أول حاكم إيراني يتشرف بالطواف بالبيت الحرام وزيارة المسجد النبوي الشريف، وقد واصل إزاحة المتطرفين المؤثرين في الأوساط الإيرانية من طريقه، حتى إن بعضهم تعرض في أثناء ذلك للتعذيب والتصفية الجسدية، ويُذكر أن أحد رؤساء الأحياء لقي حتفه بسبب زعمه أن حسن مدرّس كان أكبر رجال الدين، وأنه هو نائب إمام الزمان!.

الخميني يحيي تراث مدرّس.. وخامنئي على أثره:

مات حسن مدرّس مقصياً مبعداً، ولكن قضيته بقيت ماثلة في ذهن الخميني، وعششت فيه أكثر من 50 عاماً، وفور شروعه في الإعداد لتوليه السلطة في إيران وتأسيسه ما سماه الجمهورية الإسلامية شرع في تصفح دستور الثورة، واقتبس فكرة دور رجال الدين في السياسية، وفكرة تأسيس مجلس الرقابة على القوانين، وحظي حسن مدرّس وميراثه بتقدير خاص من الخميني، ولا يزال يحظى بتقدير لدى من جاؤوا بعده حتى الآن، حتى إنهم وضعوا صورته على العملات النقدية، وبنوا تماثيل له، وطوروا ضريحه حتى أصبح يستحق أن يطلق عليه "تاج محل إيران".

يقول الخميني عن مدرّس: "لا يزال مدرس حياً، الرجال التاريخيون يخلدون؛ لذا اجتهدوا لانتخاب مثل مدرس رحمه الله، وبالطبع لن تجدوا شبيهاً له بسهولة، ربما يكون هناك القليل من أمثاله".

التدرج إلى تدويل ركن الإسلام الخامس:

يتضح من تتبع الأحداث التاريخية أن إيران منذ تأسيس جمهوريتها الإسلامية الحالية سيّست الحج بشكل تجريدي، وسعى قائدها الخميني إلى ذلك قبل وصوله إلى السلطة، من خلال البيانات التي كان يرسلها إلى الحجاج من منفاه، وبعد وصوله إلى السلطة قام بضغوط سياسية، من خلال استخدام الحجاج في نشاطات سياسية في موسم الحج، وشحنهم بكل وسائل التحريض السنوي الذي كان يلقيه في خطاباته الداخلية إلى المسؤولين، أو تلك التي يوجهها في كل موسم إلى عموم المسلمين بزعمه، والهدف من ذلك إفشال الجهود السعودية التي تقوم بها في خدمة الحجاج، والانتقال بعد ذلك إلى تحقيق هدفه الإستراتيجي: وهو: تدويل الحج، ليس هذا فحسب، بل إن لدى إيران أطماعاً في أن تكون هي المشرفة على الحج، من دون احترام للسيادة الوطنية للمملكة العربية السعودية ولا حرمة المقدسات عند المسلمين، ولم يعد ذلك يحتاج إلى أدلة؛ فقد صرح المسؤولون الإيرانيون في أكثر من مناسبة عن رغبتهم في تدويل الحرمين والاستيلاء عليهما، حتى إن المرشد الإيراني الحالي علي خامنئي له خطابات يدعو فيها إلى إقامة النشاطات السياسية في الحج، والهدف الإستراتيجي لم يتغير، بل ربما يكون أخطر عند خامنئي منه عند الخميني، فقد أضفى هو وملاليه الجدد على القضية أبعاداً طائفية عميقة، وعدّوها من "الجهاد الأكبر"، وهي بالنسبة إلى النظام الإيراني ورقة ضغط سياسية ضد السعودية، يستخدمها هو وأحلافه في المحيط الخليجي والعربي والإسلامي، وربما العالمي دون جدوى.

الخميني وخامنئي
الإيراني حسن مدّرس
غلاف الكتاب