العقل والحكمة وأسلوب حسن تدبير الأمور والنظر إلى العواقب من الأشياء الضرورية التي لا يختلف عليها أحد، ولكن هناك في الجانب الآخر ما قد يسمى الدفع لضد عدوان ومنع ضرر وقد تغيب لحظتها الحكمة المعهودة والتفكير في العواقب نتيجة الظلم أو استمراره، ولهذا يتكون داخل كل مجتمع من يحمي الحق، ويمنع الظلم بالأسلوب الأنجح والأسرع والأسلم.

وقد جاء المثل الشعبي وهو من الأمثال الطويلة التي ربما اكتفى القائل ببعضه:

يقول المثل:

قوم بلا عقال ضاعت حقوقها

وقوم بلا جهال راحوا شرايد

ويروى بصيغ كثيرة مع الاحتفاظ بالمعنى والهدف نفسه حيث ورد أيضاً:

قوم بلا عقال توخذ حقوقها

وقوم بلا غشمان توخذ ركابها

وأيضاً:

قوم بلا عقال تسلب حقوقها

وقوم بلا جهال تمسي مذله

وأيضاً ورد بصيغة تستخدم في الجنوب من الجزيرة:

قوم بلا عقال توخذ حقوقها

وقوم بلا جهال تغدي مذلة

والمثل يوازن بين أسلوبين من أساليب التعامل مع الآخرين ويحبذ وجود صنفين من الناس داخل كل مجتمع، صنف حكيم مثل كبير السن وجرب ومتزن راكد، وآخر فيه غشامة وجهل واندفاع، والمقصود بالجهل هنا الاندفاع وأخذ الحق عنوة إن لزم الأمر دون ظلم أو عدوان لكن يسمى جهلاً ومعناه الانتزاع بالقوة كما قال صاحب المعلقة عمر بن كلثوم:

ألاَ لاَ يَعْلَمُ الأَقْوامُ أنَّا

تَضَعْضَعْنا وأَنَّا قَدْ وَنِينا

ألاَ لاَ يَجْهَلْن أَحَدٌ عَلَيْنا

فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينا

فالجهل هنا ليس فقد المعلومة وعدم معرفة القراءة والكتابة ولكن معناه استخدام القوة عندما لا تنفع الأناة في أخذ الحقوق المؤكدة.

فمن الناس من لا تنفع معه طولة البال والصبر والترجي وبيان الحجة ووضوح الحق، فهو لا يعطي حقاً إلا بقوة ولا ينصاع إلى طريق العدل وترك الظلم إلا بالقوة و(الغشامة)