لا يختلف اثنان على أن الفكر مدرج الطموحات وتحقيق الأحلام وهو ميزان الحياة ومنصّة الإنجازات وأساس التنمية البشرية، لكن هناك شعرةً بين الفكر والخيال تحدّدها القدرة والإمكانيات، فالفكر معهما يتحوّل إلى واقعٍ يحقّق الآمال ويبني الأجيال ويعالج كل ما كان عُضال، لكنّه عندما يكون في معزلٍ عنهما يتحوّل إلى سرابٍ وتيه، كما أنّ الفكر يكون في تناول الجزئيات ودقائق الأمور للاستفادة منها في إيجاد الحلول لذلك فهو لا يُطلب من أهل الكليّات.

إن الفكر قد يكون موجوداً عند الجميع كونه عند تفعيله عبارة عن عملية معالجة للمعلومات التي في العقل البشري، وذلك ما يُسمّى بـ(التفكير) لكنّ تمييز هذا الفكر والحكم عليه يكون بنتاجه ونتاجه هو (الفكرة)، وهي الأخرى قد تأخذنا إلى الواقع، وقد ترمينا في فلك الخيال.

فالإنسان عندما يستخدم فِكْرَهُ في حدود معرفته قد يأتي بفكرةٍ ذاتَ مُخرجٍ يحمل حلاً ناجعاً لهمٍّ يؤرّقه هو بالأصل مسؤوليته، لكنه إذا أشغل فكره بالتفكير في خارج حدود معرفته ومسؤولياته فليحذر من مخرجات هذا الفكر فقد تكون عكسية تحتاج إلى فكرٍ جديدٍ ليعالجها.

ومن هذا المنطلق جاء الترتيب المنطقي لعقول البشرية من علماء إلى مفكرين إلى أقل نقطةٍ في حدود العلم والفكر، ولا يمكن لأمّةٍ أن تبني مستقبلها على فكرٍ تستقيه من غير أهله، ولا أن تناط مسؤوليات فكرٍ معين خارج حدود المسؤولين عنه، فإنّ من المصيبة أن تُناط المسؤولية الفكرية لأمرٍ ما بمن يفقد مقوّمات الوصول إلى نتاجٍ فكريٍّ يخدم تلك المسؤولية، لأنه قد ينتج عن فكره أفكاراً سلبية أو أوهاماً تضيع معها الآمال.

لذلك ينبغي علينا جميعاً أن ندرك أهمية استخدامنا للفكر كُلٌ بقدر معرفته وإمكانياته وفي خدود واجباته ومسؤولياته، فلا يُطلب فكرٌ ما من غير المسؤولين عنه ولا يناط اكتشاف الأفكار إلا بمن لديهم مقوّمات مطلب تلك الأفكار.

وهنا لا بد أن نقف وقفةً صادقةً كاشفة مع بعض شبابنا ممن صرف فكره عن مسؤولياته وواجباته الشرعية والبشرية والكونية والوطنية والوظيفية، وحوّل تفكيره عبثاً إلى برمجيات الحرّيّة الوهميّة وزيف الشعارات الديموقراطية.. ومنهجة التيارات السياسية التي لربما جعلت منه عرّافاً فتنبّأ وأستاذاً فتجرّأ وصال وجال يناضل بفكر بني جلدته حاقناً على طمأنينتنا مستكثراً أمجادنا متنازلاً عن واجباتنا مرخصاً لحرماتنا!! حتى أنه لم يصقل فكره في قضاء أدنى شؤون أسرته!! وأضحى -وهو لا يعلم- عدوّاً لأمننا وعلمنا وهمّتنا، وكأنّه جسمٌ غريبٌ نبت بين أضلعنا!.

يا شبابنا.. يا عمادنا.. يا مستقبلنا.. لا بد لنا أن نقدّس نعمة الفكر وأن نستثمرها في أمن الأوطان وحفظ الإنسان وصيانة الأعراض ومكافحة الأمراض.. لا بد أن نراجع ونستشعر مسؤولياتنا وواجباتنا الفكرية وأن نستجلبها لما يحفظ كرامتنا ويصون حرماتنا ويكرّم حياتنا ويُخزي أعداءنا. 

وعلى كلٍ فإنّ خير الفكر ما يهدي إلى طاعة الله ومرضاته، وصدق سبحانه إذ قال «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها».