من الأمور المعروفة والمسلم بها قديمًا وحديثًا، وجبل الناس عليها حب أهل العلم، ويزداد ذلك الحب حينما يضاف إلى هذه الصفات: الأخلاق الفاضلة، وحسن السمت، ولذلك تجد طلاب العلم وغيرهم من المهتمين أكثر الناس حبًا وتقديرًا لأهل العلم، بل يتسابقون ويتنافسون في القرب من مشايخهم وعلمائهم والأخذ عنهم، والتأسي بهم، وخدمتهم، في أدق شؤونهم، ولئن كان هذا من باب الوفاء والتقدير، ويمكن القول إنه أقل ما يستحقه هؤلاء الأكابر نظير ما قدموه لطلابهم بخاصة، وللأمة عمومًا، إلا أن الحديث عن مثل هذه الأمور، لا تكاد تجده إلا في السير والتراجم، عن العلماء السابقين، وقلما تجد من يتحدث عن نماذج حية مشاهدة للعلماء المعاصرين، فإن الحديث عنهم وهم بيننا نتمتع بهم، ونغترف من معينهم، أولى وأكمل، لما في ذلك من فوائد أقلها: تعريف الجاهل وتذكير الناسي. ولأجل الأسباب المذكورة في هذه الديباجة وغيرها أحببت أن أشارك في هذه العجالة بجهد المقل في الحديث عن أحد أبرز النماذج المعاصرة في هذا الباب، نتحدث عن علم من أعلام هذه الأمة، وعالم من علمائها، إنه سماحة شيخنا: الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان، عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. امتاز الشيخ صالح - حفظه الله - بالعلم الغزير في شتى علوم الشريعة، وله في أغلبها مؤلفات جليلة ونافعة، وقد عرف عن الشيخ اهتمامه الشديد بالعقيدة السلفية المأخوذة من مصادرها الأصيلة: الكتاب والسنة على فهم سلف الأمة، بل يكاد اسم الشيخ أن يقترن بالعقيدة في ذهن كل من عرف الشيخ عن قرب، هذا رغم أن تخصص الشيخ في الدراسة النظامية هو الفقه وأصوله، ومع ذلك من يسمعه يشرح العقيدة، أو يقرأ في أحد مؤلفاته في الاعتقاد يظن أنه متخصص في العقيدة، وهو بالفعل متمكن من علم العقيدة وغيره من علوم الشريعة أكثر من المتخصصين، بل يرجع إليه كثير من المشايخ والأكاديميين لحل ما عندهم من أسئلة وإشكالات. كما اشتهر عن الشيخ صالح - حفظه الله - اهتمامه بالدعوة إلى الله، والنصح لولاة الأمر، والدعاء لهم، ووجوب طاعتهم، وتحريم الخروج عليهم، ومنهج الوسطية والاعتدال، وتحذير الشباب من الانخراط في الأحزاب والجماعات المنحرفة، ممن يكيدون للإسلام وأهله عامة، ولهذه البلاد على خاصة.

هذا غيض من فيض، وكما قيل: حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، لكن الذي لا يعرفه كثيرون ذلك الشيخ الجليل الذي قيضه الله تعالى لصالح الفوزان، فلازمه قرابة ثلاثة عقود، وأشرف على طباعة أغلب كتب الشيخ صالح بنفسه، وعمل وما زال يعمل بجد واجتهاد وإخلاص وتفان ليل نهار، بدون كلل أو ملل أو تعب، من أجل خدمة علم الشيخ صالح الفوزان، ونشره بشتى الطرق والوسائل، وكان أنموذجًا للطالب المتفاني في حب شيخه والقرب منه وخدمته، يضاف إلى ذلك تواضعه الجم، وبعده عن الأضواء، وكرهه الشديد للمدح والإطراء: إنه الشيخ الدكتور: عبدالسلام بن عبدالله السليمان، الذي صدر الأمر الملكي الكريم مؤخرًا بتعيينه عضوًا في هيئة كبار العلماء، وعضوًا في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

والدكتور السليمان هو المشرف العام على مؤسسة الدعوة الخيرية، المؤسسة الدعوية الرائدة التي قامت على إنشاء وإدارة المواقع العلمية لأصحاب السماحة والمعالي أعضاء هيئة كبار العلماء، وما زال الشيخ د. عبدالسلام ملازمًا لشيخه الفوزان، مشرفًا بنفسه على خدمة الشيخ وعلمه.

ويشاء الله سبحانه وتعالى أن يتوج هذه المحبة والخدمة من السليمان لشيخه الفوزان، فجمعهما عضوين تحت قبة هيئة كبار العلماء، وفي اللجنة الدائمة للفتوى؛ حيث باشرا -حفظهما الله- عملهما في فرع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بمكة المكرمة حرسها الله، يوم الأحد الثالث من ذي الحجة من العام الجاري 1440 بمكة المكرمة.