ما بعد الرحيل يقولون دائماً: إن الحقيقة تكون أكثر وضوحاً عندما لا يكون قائلها متضرراً أو مسؤولاً، هذه الحال ليست فقط في عالم الرياضة وعلى وجه التحديد كرة القدم، بل هي في معظم جوانب الحياة، لكن ما يحصل لدينا في المملكة قد يكون مختلفاً نوعاً ما في عالم كرة القدم وأخص أنديتنا الحبيبة. أصبحنا مؤخراً نقرأ ونشاهد مقابلات مع مديرين فنيين ومدربين بعد رحيلهم، أو لنقل بعد الغالبية إقالتهم، لأن الإقالة هي الأكثر حضوراً بين المدربين وليس الاستقالة، على العموم هنا يكون السؤال الذي نود طرحه: هل ما يصرحون به بعد الرحيل من خفايا وأسرار وملاحظات وانتقادات كانوا يدلون بها أثناء عملهم ووجوده في أنديتهم؟ أم أن هنالك ما هو مخفي لا نعلمه وإن عظم؟ عندما يكون المدرب على رأس عمله قد نعذر له أنه يريد المحافظة على صورة الفريق ولا يريد هز ثقة اللاعبين بأنفسهم خاصة حين يكونون في خضم البطولات، لكن بعض المعلومات التي يصرحون بها بعد إقالتهم تجعلك تسأل عن أي صورة وعن أي ثقة يريدون المحافظة عليهما وعدم الإضرار بهما، لأن بعض المعلومات تكون خطيرة جداً لدرجة أنه إن صحت فإن الفريق أساساً يكون مهزوزاً، والصورة مضروبة، ولعل القاسم المشترك بين هذه التصريحات هو الصراعات بين مسؤولي النادي وأعضاء مجلس الإدارة وتدخلات رؤساء الأندية في التشكيلات والخطط. لا نتوقع من كل نادٍ لدينا يقيل مدرباً أن يرد على تصريحاته، لكن بما أن الواقع يقول: إن النادي حين يقيل مدربه تكون نتائجه متدنية وخسائره متتالية، وبالتالي فإن الرد على مدير فني أو مدرب حمل المسؤولية من أصله واعتبرت الإقالة نفسها حلاً وقراراً شجاعاً اتخذته إدارة النادي ورئيسها، فإن أي يرد سيكون الإنكار بالتأكيد، وعليه لو قمنا بعمل دراسة ميدانية بحثية علمية لوجدنا أن أكثر من 90 % من إقالة المدربين بسبب النتائج لا تتم معالجة النتائج وعودة النادي إلى الانتصارات بحضور المدرب الجديد. إذاً لا بد من دراسة تصريحات المدربين بعد الإقالة، ليس من باب التأكد من صحتها بل من باب دراستها وتعميمها لجميع الأندية، وهذا يقودنا إلى فكرة أود طرحها وهي: بما أننا نسير وفق رؤية المملكة 2030 وأصبحت كل الأمور لدينا في كل المجالات ضمن تنظيمات وتشريعات واضحة ومحددة، فإن ملف الفرق الإدارية الفنية والمدربين لا بد أن ينتقل إلى مستوى يلامس روح الرؤية نفسها، وفكرتي هي إنشاء هيئة خاصة للمدربين والمديرين الفنيين في المملكة، حيث إن أي تعاقد مع أي مدرب سواء أجنبياً أو محلياً يكون من خلال هذه الهيئة، ليس بالتدخل في الاختيار أو الإقالة أو الراتب أو الخطط، وإنما لمتابعة حالات الإقالة وإصدار دراسات توضح مستويات هؤلاء المدربين قبل دخولهم المملكة أو بعده.

إن مثل هذه الهيئة أو الجهة ستعمل على عقد جلسات استماع مع كل مدرب مقال، ويكون ذلك من ضمن شروط التعاقد أساساً بحيث لا يكون الأمر اختيارياً، وهذه الجلسات تكون معلنة شفافة حتى يعلم جمهور كل نادٍ والجمهور الرياضي ماذا حدث فعلياً، وهل لتقصير من المدرب أم أن إقالته مجرد كبش فداء؟ مع الأخذ بعين الاعتبار الشروط الجزائية التي تدفع بالجملة، وكذلك فإن كل مدرب يريد أن يخرج علينا ويصرح بعد إقالته سيكون على يقين بأن جلسة الاستماع ستستمع له وليتكلم بحرية، لا بهارات في التصريحات ولا زيادة ولا نقصان، ولا تكون الإقالة حلاً حين لا تكون حلاً أساساً، وليسمع وليعرف الشارع الرياضي والمشجع الحقيقة، بحيث حين يطالب يوماً بإقالة مدرب عليه أولاً أن يتأكد أن المدرب ليس هو المشكلة وليس هو سبب تردي النتائج.

د. طلال الحربي - الرياض