على طريقة أبطال الحكايات يواصل الباحث والمترجم العراقي المعروف سعيد الغانمي اقتحام الأبواب المغلقة، التي تخفي وراءها الكثير من الغموض والسحر، في تراثنا العربي بتحقيق كتاب (مخاطبات الوزراء السبعة)، وقد صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى عن دار الجمل (2019م) في 192 صفحة بعنوان إضافي توضيحي: الترجمة العربية لكتاب "سندباد نامة" من أصول "ألف ليلة وليلة". ويذكر الغانمي في تتبعه لتاريخ الكتاب أن أول إشارة تاريخية تدل على "اطلاع العرب على ترجمة عربيّة لكتاب (سندباد نامة) تعود إلى القرن الثالث الهجري"، فقد أشار إليه اليعقوبي في تاريخه بتسميته الشعبية (مكر النساء)، ثم جاءت الإشارة الثانية له عند المسعودي في (مروج الذهب)، وكان قد أشار إليه أيضاً باستخدام عنوان شعبي آخر عُرف به وهو (الوزراء السبعة والمعلّم والغُلام وامرأة الملك)، ثم أشار إليه ابن النديم في (الفهرست) في أكثر من موضع في معرض حديثه عن "أعمال الهند في الأسمار" وقال إنه يتكوّن من نسختين إحداهما كبيرة والأخرى صغيرة: "كتاب سندباد الكبير، وكتاب سندباد الصغير".

ويذكر المحقق في سياق توثيقه لتاريخ كتاب (مخاطبات الوزراء السبعة)، وهي التسمية التي فضّلها، أن "الباحثين الفرس المعاصرين، بما عُرف عنهم من نزعة استيلاء ثقافي" حاولوا الاستيلاء على هذا الكتاب باختراع تاريخ وهمي زعموا فيه أن الكتاب من أصول فارسية وأنه نُقل عن الفهلوية لا عن العربية، لكنه ينفي صحة هذا الزعم ويرجّح، استناداً على العديد من الأمور، أن الكتاب ولد في ظل بيئة مانويّة آراميّة ولست فهلوية مجوسية، وأنه نُقل إلى العربية "في وقت سابق على منتصف القرن الثاني" قبل أن يترجمه الفرس تحت عنوان جديد هو: "سندبادنامة". أمّا الحدث الأهم في تاريخ الكتاب، بحسب رأي المحقق، فكان اندراج الكتاب أو دخوله الكامل ضمن كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي وصفه بأنه: "عملٌ مفتوحٌ مستعدٌ لالتهام الكتب، سواء أكانت مماثلة له في بنيتها أو لم تكن".

ورأى المحقق أن البنية الداخلية لكتاب (مخاطبات الوزراء السبعة) تتألف من حكاية "إطارية" واحدة هي "حكاية مراودة جارية الملك لابنه، ومحاولتها إغراءه بالتآمر على أبيه"، تليها العديد من الحكايات "التفريعيّة" المشوّقة التي ترد على ألسنة وزراء الملك السبعة الأذكياء دفاعاً على ابن الملك البريء. وقد اكتفى الغانمي في مقدمته بتحليل وتأويل حكايتين مختارتين من تلك الحكايات، وذكر أنّه استخلص ما سمّاه "النسخة المعيارية الصغرى"، وهي الحكايات التي شكّلت المادة الأساسية للكتاب، من مخطوطتين من بين أربع مخطوطات اعتمد عليها في تحقيقه، وأضاف في نهاية الكتاب مُلحقاً تضمّن عشر حكايات إضافية وردت في المخطوطات الأخرى، ولم ترد في مخطوطتي النسخة المعيارية الصغرى التي اعتمدها.