سألت مرة كاتبًا أميركيًا عن السبب الذي يجعل الأميركان السود بارعين في الغناء والرياضة أكثر من أي مجال آخر؟ ولماذا هم غائبون عن المجالات العلمية؟ بعد أن تحدث عن البعدين التاريخي والعنصري وغيرهما من أسباب الحرمان، قال: الرياضة والغناء لا يحتاجان إلى تعليم عالٍ، ولا استثمار مالي كبير. معظم أنواع الرياضة لا تتطلب تسهيلات عالية التكاليف، وهذا أيضًا ينسحب على الغناء، فالغناء لا يحتاج إلا إلى موهبة وآلة رخيصة الثمن. من برع في هذين المجالين من السود، وكسب مالاً كثيرًا، وحقق اعترافًا معنويًا (احترامًا وقبولاً) من المجتمع حتى من المجتمع الأبيض، هذا الاحترام وهذا التقدير تطور إلى (نموذج) عند أولاد السود الصغار. صار كل طفل أسود يتوق أن يكون مثل المغني مايكل جاكسون، أو مثل لاعب السلة الشهير عبدالكريم عبدالجبار.

يمكن تتبع هذا العامل (النموذج) في كل المجتمعات، ستجد أن منطقة معينة معظم أبنائها تجار، ومنطقة أخرى معظم أبنائها مثقفون: كتاب وصحافيين.. إلخ. وحتى على مستوى الأسر لعلك ترى أن أسرة معروفة بالتجارة، وثانية معروفة بالعلم الديني، وثالثة معروفة بكثرة الرياضيين، وهكذا. بقراءة تاريخ الأسرة أو المجتمع أو المنطقة ستجد أن واحدًا أو اثنين من الأسرة برع في هذا المجال فتبعهم صغار الأسرة.  

عامل (النموذج) يمكن أن نراه على الأمم أيضًا. من تصفح تاريخ اليابان الحديثة، فسيرى أن النموذج الألماني خصوصًا والغربي بصفة عامة حاضر وقوي في ثقافة الياباني وأدائه. كما أسهم النموذج الغربي بدور كبير في نهوض الصين وكوريا. 

مع الأسف تشويه النموذج الغربي جعل العرب خارج سباق التقدم. النموذج الوحيد للتقدم هو النموذج الغربي، هذا النموذج تم تشويهه حتى أصبح قبيحًا في نفوس صغارنا لا يمكن تقليده أو اقتفاؤه. في حمى الصراع القديم والجديد بين العرب والغرب، كانت الدعاية المعادية للغرب تشوه صورة الرجل الغربي والمرأة الغربية من الناحيتين الأخلاقية والإنسانية. تم تصوير ما حصل في الغرب على أنه مجرد تقدم مادي فاقد للروح والأخلاق وجر على الغرب الويلات.

لا التقدم المادي في الغرب ولا التقدم الحضاري يصلحان نموذجًا يحتذى. تصلبت النظرة المشوهة للغرب، فأصبح كل تقدم يحققه يجد من يشوهه في بلادنا. هذه النظرة للغرب أوقعتنا في مأزق. لا تستطيع أمة في وقتنا الحاضر أن تخترع تقدمًا آخر غير هذا الذي بلغه الغرب.

الصين واليابان وكوريا رغم كل الصراعات الدامية مع الغرب لم يشوهوا النموذج الغربي بل احترموه، وها هم على وشك تجاوزه.