كلما ازداد ثقل الكلفة التي يتحملها رجال الأمن في كافة القطاعات، وتفاقم الشر الذي يدفعونه، تضاعفت أهمية دورهم، وعظم الأجر والثواب المرجوّ لهم في عملهم، وتسامت المفاخر والمآثر التي يُدوِّنها التاريخ في سجلاتهم الناصعة..

اقتضت حكمة الله تعالى أن كان البشر أصنافاً متباينة، منهم الصالح الذي يُؤمنُ جانبه، ولا تُخشى بوائقه، ومنهم من دون ذلك، ومنهم الغويُّ المفسدُ الذي لا يُؤمنُ بغيُهُ، ولا يزال يسعى في الأرض فساداً، إن أمكنته فرصة العيث عاث، وإلا انكمش مُضمراً الشرَّ والبغضاء، وهذا الصنف الأخير لا يأبه بحدود الشريعة، ولا يأتمر بما تمليه الأعراف والعادات المستحسنة من رعاية حقوق الناس، فلا يَزَعُهُ إلا قوَّةٌ رادعةٌ تكفُّهُ عن البغي والعدوان؛ ولأجل وجود هذا الصنف شُرع للناس الدفاع عن الأنفس والأهل والعرض والأموال، وجعل المدافع الذي قُتِلَ ذبَّاً عن هذه الحرمات شهيداً، فعن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد" أخرجه الإمام أحمد وغيره، وصححه الألباني.

ومن هذا المنطلق تكمن أهمية وشرف العمل الذي تقوم به الجهات الأمنية في الدولة في كافة القطاعات؛ فإن استتباب الأمن، وندرة الجرائم بتوفيق الله وحفظه ورعايته، ثم بجهود هؤلاء الرجال الأكفاء، وكلما ازداد ثقل الكلفة التي يتحملونها، وتفاقم الشر الذي يدفعونه، ويقفون سدَّاً منيعاً أمامه تضاعفت أهمية دورهم، وعظم الأجر والثواب المرجوِّ لهم في عملهم، وتسامت المفاخر والمآثر التي يُدوِّنها التاريخ في سجلاتهم الناصعة، وفي مقدمة من يتحمَّل أثقل الأعباء في هذا الصدد أبطالنا المرابطون على الثغور؛ فقد حقّ لهم أن يغتبطوا بما كتب الله لهم من الشرف العظيم بتوفيقهم للانتداب إلى هذا الميدان، وأن يستصحبوا النقاط التالية:

أولاً: فضل الدفاع عن بلد الإسلام ومقدساته، وحماية أمنه واستقراره، والذبِّ عن أهله وقاطنيه، والمرابطة في ثغره، وأن ذلك واجبٌ كفائيٌ، وحقٌّ من حقوق المجتمع على رجاله، وعلى مدى التاريخ يُسخِّرُ الله للعباد والبلاد رجالاً يُدافعون عن الحرمات، ولولا دفع الله بهم كيد الأشرار لعمَّ الخراب، وطمَّ الفساد، ومصداق ذلك قوله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً).

ثانياً: أنهم يُكافحون أهل نِحلةٍ مبتدعة تحاول أيدي الصفويين الخبيثة نشرها في بلاد المسلمين؛ لتُفسِد بها الدين، وتؤجج بذلك الفتن والصراعات، وتفكك بها الروابط المتينة بين فئات المجتمع، وقد عُرِفَ عنهم مكافحة نحلة الرفض منذ نشأت، سواء في ذلك المكافحة السياسية والاجتماعية والثقافية، ولا شكَّ أنها حقِيقةٌ بأن تُدافع فقد كانت وبالاً على الناس في دينهم وأعراضهم، ولو مُكِّن لأهلها لتعطَّل كثيرٌ من شعائر الدين، وحلَّت الخرافات محلَّها، فهنيئاً للرجال الذي نصبوا نحورهم تروساً دون وطنهم مكافحة للمشروع الصفوي الرافضي.

ثالثاً: أن رباطهم في الثغور لإبعاد شرور الكيد الصفوي عن دولةٍ مسلمةٍ سنِّيةٍ تحكم شرع الله تعالى، وتحتضن الحرمين الشريفين، عملٌ عظيمٌ تكون ثمرته إعلاء كلمة الله تعالى، فليحتسبوا الأجر في رباطهم وقتالهم، فالرباط في سبيل الله له فضلٌ عظيمٌ، فعَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ»، أخرجه مسلم.

رابعاً: أنهم مع تحسين النية وإرادة إعلاء كلمة الله يكون قتالهم في سبيل الله، فعَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ، قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» متفقٌ عليه، ومن قاتل في سبيل الله فهو بين إحدى الحسنيين، فإما أن يؤوب أحدهم سالماً مُبتهجاً مأجوراً مشكوراً، وإما أن يُصاب فيثاب على ذلك، أو يُقتل، فيكون شهيداً، وأمام الشهيد حياةٌ مليئةٌ بالسعادة والبهجة والمسرَّة، وكرامة يوم القيامة (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرزقون).

خامساً: أن حقّهم العظيم ومفخرتهم العالية محلُّ اعترافٍ ومراعاةٍ لدى الدولة والمجتمع، ولن يُتوانى في أداء حقوقهم ومنها أن يُخلفوا في أهلهم وذرياتهم خيراً، وأن يُنوَّه بفضلهم، وأن يُدعى لهم بالخير، وأن تُدوَّن مآثرهم وأعمالهم ليكونوا قدوةً للأجيال القادمة.