من السهل أن تجد من يعجب بك، ربما بمجرد النظر إليك من بعيد، ليشعر أن تحويراتك النفسية والجسدية تناسب تحويراته، فيملأ كل ثغرة فيك، ويخفي كل بروز في ذاته، بمجرد تأمل ما أنت عليه، ووصوله لشعور أن نعمة الله على الأرض تتمثل في الاندماج الكامل معك.

وقد يحدث ذلك التجاذب بعد نظرة أو موقف عابر أو حرج يظهر فيه جمال مكنونك، في تجربة إنسانية، يتيقن بعدها أن كينونته قد بنيت بنفس مكونات كينونتك وإنسانيتك، فيهيم بك إعجاباً، أو ربما يصل إلى أبعد من ذلك بمراحل.

ويحدث ذلك أياً كان نوعك، ليتحول مع ترقي الإعجاب بك، إلى نوع من الصداقة والمشاركة والثقة.

علاقة تبدأ بين الطرفين بالدخول إلى المرحلة العسلية الأولى، والتي قد تستمر دقائق، أو أياماً، وقد تنتهي بمجرد التقارب والغوص أعمق حين اكتشاف علة الخافي.

وقد تكبر العلاقة وتتعمق في الصدرين وتبقى لأكثر من ذلك، بنفس الوهج، وربما تتقلص المشاعر في مسارها وتتعسر بتعرضها لمطبات طبيعية أو اصطناعية تحيل مرحلها إلى مجرد شمع وقرصات نحل.

ومرات، قد يحدث التنافر بنفس شدة اندفاع أحدهما للشخص المقابل وبقدر غير مقدر من العشم أو الوهم، وربما تتضح صور الاختلاف تدريجياً من خلال أشياء صغيرة أو كبيرة تجعل العلاقة بينهما متبدلة، وقد يستدعي ذلك التعارض والخلاف وسرعان ما تنتهي العلاقة وهي تحمل معها كثيراً من العداء والنقمة، التي قد لا تتضح سريالية أسبابها.

كل ذلك يحدث في دقائق من حياتنا، وعلاقاتنا، ونحن نحاول البحث أكثر، أو استجداء بعض منظومات الحب المثالي، وأن نوهم أنفسنا في بعضها، حتى إننا لو حسبنا من يحبنا بالكامل، فربما لن نجد في واقعنا إلا خيالات ورتوش وشعارات واهية، فهذا يحبك لجمالك، وسرعان ما تفقده بتبدل التضاريس، وهذا يعشق خفة وجودك، وسرعان ما يستثقل حمله، وهذا يحب فكرك، ثم ينكرك لإتيانك بعكس مفهومه.

في حياتنا يندر وجود الحب الكامل، المستمر، بنفس الوهج والفهم والاحتياج والعطاء.

وتخيلوا معي، لو وجد أحدنا من يحبه بكل أحواله، فأي نعمة سيمتلكها، وسط متغيرات لا تتوقف، في جوفه وفكره ومحيطه.

الحب معادلة حسابية تفشل كثيراً، ولو حدث ونجحت، فإن التحديات تعاود الضغط عليها لتضعفها وتجعلها باهتة، وتهد عاليها فوق سافلها.

ولعل الأبقى في كل العلاقات أن نتقرب ونحب وأن نمسح الخطايا ونقف عند النزوات، وألا نحاول البحث عن الكمال في شخوص من يحبوننا، فهم ناقصون مثلنا، ولا يمكن أن نتناغم طالما أن أحدنا لا يؤمن بوجود النقص بشكل مبدئي، وبأنه سُنة حب هذه الحياة، الممتلئة بالتغيرات.

وما من شك أن الحب يكون معجزاً عندما يتخطى كل الصعوبات والتحديات والفروق، ليبقى بنفس العنفوان فراشة نحلق معها بجناح إعجازها.