على الورق، كان مستبعداً أن يتعثر المنتخب السعودي في افتتاح مواجهاته في التصفيات الآسيوية المؤهلة لكأس العالم 2022 وأمم آسيا 2023 أمام اليمن ويخرج متعادلاً 2-2 بعد أن تأخر مرتين، لكن من ينظر للمشهد الكروي من الأعلى يجد أنها ليست إلا بداية لمزيد من التراجعات الحادة والمؤلمة.

منذ منتصف العقد الماضي والكرة السعودية تدفع ثمن عدم الاستقرار على جهاز تدريبي واحد لأكثر من عامين، وإن استقرت يكون ذلك بسبب قلة المشاركات التي تقي المدرب من مقصلة الإقالة، علاوة على عوامل عدة أنهكت «الأخضر» وأعادته للوراء كثيراً، ليصبح كل التاريخ على الرف.

الكرة لا تعترف بماضٍ جميل، كرة القدم أصبحت صناعة وعملا متكاملا ومنظما، ولدينا غاب الاستقرار في كل الجهات، إن على مستوى المدربين أو اتحاد الكرة، وحتى الأندية، بالتزامن مع انخفاض عدد المواهب، لتتعاقب اتحادات لا تملك القدرة على التعامل مع هذا الواقع المتأزم.

أصبحت الأندية أقوى من مؤسسة كرة القدم السعودية وتستطيع بإعلامها ونفوذ صناع القرار فيها التأثير على الاتحاد المنهك أصلاً جراء عدم استقراره، وأصبح التعامل مع الأندية على طريقة فتح الأبواب أمامها لتتصارع فيما بينها من أجل الحصول على كعكة النفوذ الأكبر، وكل هذا يغذيه الوقود الإعلامي والصخب المستمر على الفضائيات وكل منصات الإعلام.

حتى المنجزات -إن صحت تسميتها كذلك- كالتأهل للمونديال الماضي لم تكن مبنية على قواعد متينة من العمل الاحترافي، ونجحت الاجتهادات طيلة 14 عاماً في تحقيق منجز وحيد فقط مقابل عشرات الخيبات.

نحن ندفع ثمن هذا الاهتراء في منظومة الكرة السعودية، وسندفع أيضاً المزيد، فالقادم حتماً سيكون أسوأ بناء على كل المعطيات الفنية والعناصرية والإدارية، إذ لم تكن المشكلة في الهولندي مارفيك ولا الأرجنتيني بيتزي، ولن تكون في هيرفي رينارد الذي لن يلبث طويلاً.

نحتاج اتحاداً قوياً يعيد الأندية لمكانها الطبيعي ككيانات تقع تحت مظلته وتخضع لأنظمته التي يطبقها بقوة على الجميع الكبير قبل الصغير، ونحتاج لمراجعة عاجلة لاستراتيجية العمل في اكتشاف المواهب والمنتخبات السنية، ونحتاج أكثر وأكثر لمراجعة قرار السماح بتواجد هذا الكم من اللاعبين الأجانب الذي قلص فرصة المواهب في البروز من خلال تراجع أرقام مشاركاتها ودقائق اللعب، فالبديهي في كرة القدم أن اللاعب لن يتطور دون عدد أكبر من المباريات واكتساب الخبرة والثقة والتعلم من الأخطاء.

هذه مسؤولية ياسر المسحل ورفاقه الذي يديرون كرتنا في مرحلة مفصلية، وسيحكي التاريخ أن الكرة السعودية تراجعت على مستوى المواهب والإدارات المتعاقبة مؤخراً، إلا أن تحرك الاتحاد الحالي وقدم مشروعاً حقيقياً يستغل به الدعم الحكومي غير المسبوق لكرتنا، إذ عندها سنقول إن ثمة ضوء في آخر النفق، وما عدا ذلك فهو مجرد محاولات هزيلة للإمساك بما تبقى قبل انفلات العقد كاملاً.