خفضت وكالة فيتش الائتمانية «Fitch Rating Agency» درجة تصنيف التقييم الائتماني للمملكة من A+ إلى A ضمن تقرير صدر عنها مؤخراً، والذي استندت فيه إلى التوترات العسكرية والجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، وإلى الهجوم الأخير على معملي بقيق وخريص في الرابع عشر من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، ما قد يؤثر من وجهة نظر الوكالة على الموقف المالي للمملكة، سيما أن الهجوم قد تسبب في خفض إنتاج المملكة من النفط إلى النصف.

وزارة المالية أعربت عن تحفظها إزاء ما تضمنه التقرير من تقييم، كونه من وجهة نظرها لا يعكس دلالات الاستجابة للقدرات السريعة للمملكة في التعامل مع الهجوم على المعملين ومرونة هذه الاستجابة التي عززت من موثوقية الشركة في عمليات إمداد النفط إلى الأسواق العالمية. وفي ظل غياب الاستجابة لتلك الدلالات، طالبت الوزارة الوكالة بأن تعيد نظرتها في التقييم، الذي يبدو عليه الاستعجال، مع الأخذ بعين الاعتبار استمرار واستقرار المعروض من النفط الذي عكس ثقة المجتمع الدولي في قدرة المملكة على الوفاء بالتزاماتها من النفط تجاه الأسواق العالمية.

أتفق مع الوزارة في وجهة نظرها حيال خفض وكالة «فيتش» للتقييم، لتغاضيها برأيي في تقييمها للعديد من المقومات المالية والاقتصادية القوية والمتينة للمملكة رغم أنني لا أقلل من خطورة التوترات السياسية بالمنطقة وجسامة الهجوم الغاشم على معملي أرامكو، إلا أنني في نفس الوقت أرى أنه كان من المفترض على الوكالة أن تأخذ بعين الاعتبار في تقييمها لجوانب وعوامل إيجابية عديدة للمملكة كان من الممكن لها أن تقلل من قلقها تجاه الوضع المالي والائتماني للمملكة.

من بين تلك المقومات على الجانب السياسي والأمني، ما تنعم به المملكة من استقرار سياسي وأمان اقتصادي وأمن اجتماعي بفضلٍ من الله عز وجل ثم بفضل اللحمة الوطنية القوية والمتينة التي تربط بين القيادة والشعب.

وعلى الجانب الاقتصادي والجانب المالي، فإن العوامل المفقودة في التقييم عديدة قد يصعب حصر جميعها في هذا المقال، والتي لعل من بين أهمها وأبرزها ما يلي:

  • سرعة استئناف شركة أرامكو للإنتاج في وقت قياسي بعد الهجوم واستمرار مبيعاتها الذي يُعد دليلاً مادياً واضحاً خالف جميع التوقعات، سيما أن ما حدث لن يؤثر على دخل الشركة أبداً.

  • عدم تأثر عوائد أدوات الدين المُصدرة من الحكومة أو الشركات السعودية في السوق الثانوية من تقييم الوكالة.

  • سرعة عودة هامش تسعير أدوات الدين العام لمستوياته الطبيعية بعد ارتفاعه بثلاث نقاط أساس فقط فور إعلان الوكالة لتقريرها.

  • عدم وجود أي تأثير على عملية إصدارات المملكة للسندات الدولارية.

  • كسب المملكة ثقة المستثمرين في إصداراتها السيادية الأخيرة بالإضافة إلى إصدارات الجهات الأخرى.

  • تعطش العالم في الوقت الراهن للسندات ذات العوائد الإيجابية، إذ تُعد المملكة من بين أفضل 3 دول في العالم القادرة على إصدار سندات تمنح المستثمرين عوائد مالية إيجابية رغم ما يمنحه العالم من عوائد صفرية وسلبية.

  • المملكة تُعد ضمن الدول القلائل والمحدودة في العالم، التي لديها احتياطيات أجنبية ضخمة، حيث قد بلغت احتياطيات النقد الأجنبي في مؤسسة النقد العربي السعودي في يوليو الماضي 503 مليارات دولار أميركي، تُشكل الودائع نحو ثلثها، والتي تمكن الحكومة من استيعاب التحديات وتمويل العجز المالي إن لزم الأمر.

    أخلص القول: إن وكالة «فيتش» رغم احترامي لمكانتها العالمية في مجال التقييم الائتماني، إلا أنني أعتقد بأنها تسرعت في تخفيضها التصنيف الائتماني للمملكة نتيجة انحصار تقييمها في عوامل محدودة دون النظر لعناصر ومقومات مالية واقتصادية أخرى تتمتع بها المملكة وتمتلكها، والتي كان من الممكن أن تحافظ على نفس تقييمها السابق، سيما أن المملكة قد نجحت تاريخياً في حماية اقتصادها ومنظومتها المالية من المخاطر التي حدثت بالمنطقة وبالعالم، مما حافظ على استقرارها واستدامة اقتصادها ومتانة ماليتها العامة.