لو سألت طالباً في أي مرحلة من المراحل الدراسية وحتى الجامعية فلن تجد جواباً لهذا السؤال وربما يجهل كثير منهم معنى كلمة (حضارة). لا أتذكر أن تعلمنا في المدرسة أو في الجامعة ما الذي تعنيه الحضارة الإسلامية. كل ما نعرفه عن الحضارة الإسلامية بضعة أسماء. في الطب وفي الهندسة وبعضها في الفلسفة ولكن لا يوجد من يعرف القيم الثقافية وحجم الحريات المتوفرة في تلك الأزمنة التي ازدهرت فيها هذه العلوم والنكبات التي واجهتها ودفعتها للاضمحلال.

إذا قرأت مقالاً أو كتاباً يتحدث عن ازدهار الفلسفة أو الطب أو الهندسة في التاريخ الإسلامي ستراه يأتي من باب درء الإعجاب بالغرب أو المديح المجاني المتناقض مع الأفعال التي يؤيدها المؤلف على أرض الواقع. ستجده يمتدح تطور الفلسفة في الأندلس وتأثيرها على أوروبا، وفي نفس الوقت يحرم تعاطيها بأن يكفر العاملين عليها، ويطالب بإقامة الحد عليهم. يمتدح ابن رشد وفي نفس الوقت يدين كل من يشبهه في هذا الزمان. يتفاخر بتجربة الطيران التي نفذها عباس بن فرناس لمجرد أن يباهي بأننا سبقنا الغرب، ولكنه يدين براعة عباس بن فرناس في التأليف الموسيقي والعزف على العود. يؤكد أن ملوك أوروبا كانوا يبتعثون بناتهم وأولادهم للتعلم في الأندلس وهو يتصدى للابتعاث ويؤلب عليه. يؤكد أن المرأة كانت شريكة في الحياة العامة في زمن الرسول عليه الصلاة والسلام وفي نفس الوقت يطالب بحظر المرأة من الخروج من البيت ومنعها حتى من العمل كاشيرة.

لم أر في الجامعة أو في المدرسة قبل ذلك جمعيات أو نوادي تقدم الفكر والحضارة الإسلامية، وتبحث مع الطلاب وطلبة العلم أسباب تدهور هذه الحضارة وما علاقة ابن رشد والغزالي بهذه الهزيمة التي استمرت قروناً.

لم يسع أحد لدفع الطلبة في الجامعة إلى الاطلاع على ما دار بين ابن رشد والغزالي مع مخلصات (أمينة) لمنتجهما الفكري والعملي.

المثقف من الدرجة الثالثة (إذا جاز التعبير) يتوجب أن يعرف شيئاً عن الصراع الفكري والفلسفي الذي دار بين كبار الفلاسفة والمفكرين في الحضارة الإسلامية. تلك الجدليات التي صاغت نتائجها حياتنا حتى يومنا هذا. كيف ستكون حياتنا لو انتصر الفكر الذي تلقى الهزيمة القاتلة. لا يعلم كثير من المثقفين أن المنتصرين في ذاك الزمن مازالوا يعملون على مقاومة الفكر الآخر.  يقاومون عودة الحضارة الإسلامية عبر الباب الذي خرجت منه.

انهزم فكر ابن رشد في صراعه مع فكر الغزالي فساد فكر الغزالي حتى يومنا هذا وارتحل فكر ابن رشد مهزوماً إلى أوروبا وانتصر هناك.