سأعقد مقارنة فلسفية بين (نعم) و(لا) من وجهة نظر نفسية، وعاطفية؛ لذلك ليس شرطًا أن تكون دقيقة، أو صادقة، لكنها قد تكشف عن موقف، أو عدة مواقف، مررت بها، وربما أُصبتُ من خلالها بخيبة، أو صدمة جراء هذه الكلمة أو تلك، وليس الهدف من هذه المقارنة المفاضلة، بقدر ما هو علاج بعض المشاعر والأحاسيس التي قد نواجهها، أو يواجهها بعضنا في استخدام هذه الكلمات في حياته اليومية. ولا شك أن لكل كلمة وقعها، واستعمالاتها التي وضعت لها، كما أن لكل كلمة سياقها المحمود والمذموم، وموقعها السلبي والإيجابي، لكنني لا أدري لماذا لا أحب (لا)؟! ولماذا أعشق (نعم)؟!

كم أكره كلمة (لا) وأمقتها أشد المقت، منذ أن كنتُ أطلب من أبي أن يشتري لي (حلاوةً) من البقالة، فيقول لي: «لا، ستضرُّ ببدنك وأسنانك، لا أدري إن كانت من تلك (البقالة) نشأت الكراهية»، وعلى عكس ذلك أحببت (نعم) تلك الكلمة التي كانت جدتي لأمي تقولها لنا ونحن صغارًا حين نزعجها بكثرة طلباتنا ورغباتنا. وربما زادت كراهية (لا) عندما رأيتها تعيقني عن كل تطور، أو تقدم، أو نجاح في الحياة؛ كلما أقدمتُ على أمر صعب، أو رمتُ اقتحامه، تلوح لي (لا) كحبل يقيدني، ويشد وثاقه حول عنقي (لا تفعل)؛ لذلك كنت أرفضها، وأتلذذ بمقاومتها.

حتى حين تردعني (لا) أشعر بقسوتها، فهي لا تأتي واحدة، بل مضاعفة (لا للرجوع، لا للفشل، لا لكذا....) كلمة (لا) ثقيلة على النفس حتى في أوامرها الزاجرة والرادعة. كنت أظن - وما زلت - أن (نعم) ألطف في استعمالها، حتى في الردع والزجر، لو قلت: (نعم، سأقلع عن التدخين) و(نعم سأقدم على النجاح) و(نعم سأخوض البحر)، أشعر أن (نعم) في هذه العبارات تمنحني ثقة أكثر من (لا). (لا) في كل الأحوال تسوءني أحوالها، ولا تسر، حتى النحاة يقولون عنها: النافية، والناهية، والناصبة، والجازمة.

ما أجمل (نعم) التي تشبه في شكلها (النغم)، وما ألطفها حين تميل بك إلى (النعومة) و(النعيم) أما (لا) فما أقساها، حتى في شكلها المتقاطع الذي يوحي بالمخالفة، وعدم الاتفاق، وحتى في انحناءاتها وانعطافاتها تدل على عدم الثقة، والاهتزاز، والاضطراب، وكأنها تنزل بك إلى طريق غير آمنة، أو مسدودة. أخيرًا اعذروني، كتبت هذا المقال، عندما رأيت صديقين: أحدهما يُثنى عليه؛ لأنه لا يقول (لا)، والآخر يثنى عليه؛ لأنه يتنفس (نعم).د. فهد إبراهيم سعد البكر