القيم السامية والأخلاق الفاضلة والتضحية من أجل هدف أسمى لا تأتي من جمع المال من أي مصدر ثم توريثه لمن لا يعرف قيمته، لكنه أداء الواجب بأمانة وإخلاص، وأن نجتهد لنكون مثالاً يحتذى لمن بعدنا..

نتحدث كثيراً عن حب الوطن لكن لا نعمل ما يكفي من أجل رفعته وقوته، ننتقد تقصير الأجهزة الحكومية بقطاعاتها المختلفة ولا نتحدث أو ننقد أداءنا كموظفين ومعلمين وأطباء وآباء وأمهات، ننتقد التعليم والرعاية الصحية والخدمات بشكل عام، ولا نفكر بماذا أسهمنا لتحسينها رغم أننا شركاء ومستفيدون من تلك القطاعات، وقد أعجبتني قصة ذلك المحامي الناجح الذي كان يترافع عن عصابات المافيا ويسهم في تبرئتهم لما لديه من براعة وقوة حجة، وقد أغدقوا عليه المال والهبات، وكان لديه ابن يفكر فيه كثيراً ويقول لقد أعطيته كل شيء يحتاجه وبقي شيء واحد لم أعطه له بعد، أن أكون مثالاً يحتذى وأباً صالحاً يفخر به.

كانت صحوة ضمير جعلته يعمل مع الحكومة وينحاز للعدالة، ويترافع ضد عصابات المافيا، وأدخل بقوة حجته وما لديه من براهين أعداداً كبيرة منهم السجون، ورفض كل الإغراءات من قادتهم، كان يعلم أن هذا العمل النبيل سيكلفه حياته أمام مجرمين عتاة، لكنه آمن أن هذا العمل الوطني يستحق ذلك، وهذا ما حدث له حين كان يقود سيارته في أحد الشوارع حيث اقتربت منه سيارة أمطره ركابها بوابل من الرصاص تركوه مسجى على الرصيف، لقد دفع حياته مقابل أن يترك سمعة وإرثاً يفخر به ابنه.

وفي مناسبة أخرى ومع بداية دخول أميركا الحرب العالمية الثانية وبينما كانت اليابان تهاجم موانئ أميركا وحاملات طائراتها كان أحد الطيارين في مهمة لحماية حاملة الطائرات التي أقلع منها وإذا به يشاهد تسع طائرات يابانية قاذفة محملة بالقنابل متجهة إلى حاملة الطائرات (يو إس إس ليكسنجتون) التي على متنها آلاف الأفراد والمعدات فما كان منه إلا أن يشتبك مع الطائرات اليابانية وحيداً فأسقط طائرتين قبل نفاد ذخيرته واستمر في الاشتباك معها وتشتيتها حتى إنه استطاع إسقاط ثلاث طائرات أخرى عن طريق الالتحام بها، ولاذت الطائرات الأربع الباقية بالفرار، وكان أول شخص يحصل على أعلى وسام في الحرب العالمية الثانية واسمه "بتش أو هير" وقد سمي مطار شيكاغو باسمه ذلك أنه كان مستعداً للتضحية بحياته من أجل هدف أسمى وهو إنقاذ حياة الآخرين والدفاع عن وطنه.

وما يجعل القصة شيقة وغريبة هو أن هذا الطيار هو ابن ذلك المحامي الذي ضحى بنفسه من أجل العدالة وترك إرثاً عظيماً يفخر به ابنه الذي تعلم الدرس جيداً.

والسؤال الذي يجب أن يسأله كل منا: ماذا سنورث لأبنائنا؟ يقول المتحدث في هذا المقطع الملهم: رأيت أناساً يعملون بكامل طاقاتهم من أجل جمع المزيد من المال ليورثوه لأبنائهم الذين سيحاربون بعضهم من أجل الحصول على أكبر حصة من الميراث. ثم يتساءل: هل هذا هو أفضل ما يمكن أن نورثه لهم؟ وهل هذا هو سرّ وجودنا في هذه الحياة؟ وهل هذا هو أفضل ما يمكن أن نقدمه للوطن وللعالم؟

القيم السامية والأخلاق الفاضلة والتضحية من أجل هدف أسمى لا تأتي من جمع المال من أي مصدر ثم توريثه لمن لا يعرف قيمته، لكنه أداء الواجب بأمانة وإخلاص، وأن نجتهد لنكون مثالاً يحتذى لمن بعدنا.

مثل هذه القصة الملهمة يوجد الكثير مما في تراثنا من قصص التضحية والوفاء مما يجدر بنا أن نضمنها في مناهج القراءة ونؤصل لها في مناهج العلوم الدينية دون مبالغة أو سرد بعيد عن الواقع. ليس هذا فقط ولكن يجب أن يراه الابن أو البنت في سيرة الوالدين، ويراه الطالب في سلوك معلمه، ويراه الجندي في تضحية قائده، والموظف في إخلاص مديره وهكذا، فلا شيء كالقدوة وكما يقال: "القدوة خير موعظة".

اليوم ننظر بكل فخر واعتزاز لما يقدمه أفراد القوات العسكرية على الحد الجنوبي للمملكة وفي بحرها وسمائها من شجاعة وبسالة ضاربين أفضل الأمثلة في التضحية والوفاء، وكذلك ما تقدمه قوات الأمن من جهود لتحقيق الأمن والسلامة لجميع المواطنين والوافدين.

المملكة تسير اليوم بخطى حثيثة لامتلاك القوة بكل مقوماتها وبحاجة إلى كل الجهود وعلى كل الأصعدة لإنجاح هذا التحول الكبير وهذه البرامج والمبادرات من أجل أن يزداد الوطن قوة ومن أجل أن نورث لأبنائنا وأحفادنا ما يفخرون به كما نفخر اليوم بمن عمل بإخلاص وضحى من أجل هذا الوطن الكبير.