لم تُرزأ أمّة كما رُزئت أمتنا الإسلامية مِن تحزُّب فئوي ضيّق اتّخذ من الإسلام السياسي وأحزابه طريقاً لتحقيق مآربه وأطماعه وشهواته السلطوية، بل إنه استغلّ عواطف البسطاء ولعب على أوتار الدين وأحلامه الطوباوية خالقاً ومُنتِجاً لِذهنيّة دوغمائية منغلقة وساذجة تتلقّف الأفكار والتحريض دونما إعمال للعقل أو التفكير النقدي اللازم للنظر في عواقب الأمور ومآلاتها.

وللأسف لا زال هناك من يمارس التضليل في أبشع صوره، ويورد أتباعه المهالك حتى بات العنف والتطرّف والتشدد واقعاً مأساويّاً اكتوى بناره الأبرياء الذين لا حول لهم ولا طول في مجابهة هذا الفكر المتطرف وغلوائه المنتشرة كالنار في الهشيم.

كل هذه النوازع والأفكار التي تشبّثت بالبقاء خلقت لواقعنا العربي أجيالاً قاصرة في وعيها وتعاطيها وتفاعلها مع الأحداث والوقائع، وبات العنف والدم المراق في عمليات عبثية هو المشهد الأكثر حضوراً وسطوة، جيل لا زال يتشرّب أفكاراً مغلوطة ويتعامل معها كأنها حقائق في حين أنها تلقي بظلال قاتمة ونتائج عكسية هو أوّل وأكثر المتضررين منها، كأن يُبدي البعض موقفاً عدائياً كارهاً مع من كانوا -ولا زالوا- أكبر المنافحين عنه وعن وطنه وقضيّته، فنجدهم ينبرون بأصوات زاعقة مُعبّأة كراهيةً وحقداً على كل من ساعدهم وآزرهم، فيأتي رد فعهلم بشكل لا يتّسق مع نبالة مواقفنا ولا ثبات مواقفنا العادلة والنزيهة، هذا الموقف العدائي الكاره يمثّل الوجه الحقيقي للنكران وللجحود المتضادّ مع الموقف المفترض من اعتراف بالإحسان وحفظ الجميل والوفاء لأصحاب الوفاء.

إن مثل هذه الثقافة الكارهة الجاحدة من شأنها أن تكرّس الصورة الذهنية التي تشكّلت منذ عقود في الأذهان لدى العقل الجمعي في الدول ذات المواقف المناصرة والمؤازرة، صورة كان يفترض أن الوعي والعقل الناضج يبدّدها ويرسّخ الصورة الحقيقية للاعتراف بالصنيع والمعروف الذي انطلق أساساً من استشعار حقيقي بيننا كدول عربية ومسلمة يتداعى جسدها إذا أصاب إحداها بأس أو ضرر.

من المهم بل من الضرورة أن يفطن الجميع دولاً وأفراداً لحجم التحديات الكبيرة التي تحدق بدولنا وأن التكاتف والتعاضد ونبذ الكراهية والحسد والالتفاف حول قياداتنا لتعبر سفينة وطننا العربي إلى برّ الأمان، لا الارتهان لأحقاد وإرث من كراهية خلقها واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي لبعضنا، وهو واقع لا دخل للشعوب ولا الدول في خلقه ولا التفاوت التراتبي بكافة صوره لدولنا.

إذاً بات من الواجب أن نعي جميعاً أن توحّدنا وتماسكنا يشكّلان الدعامة الحقيقية والأكثر فعالية لتجاوز الأخطار والواقع الراهن بكامل ثقله واستحقاقاته الباهظة.