إبراهيم الخبراني: فرصة لخلق عمل فني

ماجد المفرح: عزلة الفنان بين أعماله طبيعية

مع انتشار مرض (الكورونا) وإعلانه وباءً عالمياً من قبل منظمة الصحة العالمية سارعت دول العالم بأسرها لاتخاذ التحوطات الصحية اللازمة حفاظاً على شعوبها وتجنب تفشيه في أوساطهم.

ومملكتنا الحبيبة، وكعهدنا بها، سباقة دائماً لاتخاذ كافة الإجراءات اللازمة في كل الأزمات التي تحدث من حولنا، وذلك انطلاقاً من حرصها ليس على أبنائها فحسب، بل على كل الموجودين على أرضها حيث أصدرت توجيهات صحية مشددة بضرورة الوجود بالمنازل وتطبيق التباعد الاجتماعي والعزل المنزلي حفاظًا على الصحة العامة.

هذه الإجراءات التي أجبرت الجميع على عدم مغادرة المنازل ورغم أنها شلت الحركة كما في كل أنحاء العالم، إلا أنها أضفت مزيداً من الحركة على الفن التشكيلي، حيث أتاحت الفرصة للتشكيليين لملازمة مراسمهم وتقديم مزيد من الإبداع.

ولطالما كان التشكيلي أكثر تفاعلاً مع ما حوله وأكثر تعبيراً لما يدور في واقعه والأكثر استثماراً للوقت متى ما أتيح له أفردنا هذه المساحة لنعرف: كيف يستغل التشكيليون هذه العزلة ويستثمرونها في الوجود بالقرب من مراسمهم؛ ومدى مساهمة هذه العزلة في ابتكار عمل فني وإنتاج أغزر؛ ومدى حاجة الفنان للعزلة ومساهمتها في إثراء أعماله:

بدايةً يقول الفنان إبراهيم الخبراني: (مع التوجيهات المشددة بالعزل المنزلي والراحة الإجبارية والابتعاد عن كثير من مشاغل الحياة واعتزال جل الأعمال التي كانت تستلزم الخروج من المنزل وجدت فرصة سانحة للقراءة والاطلاع ووقتاً أجمل ومساحة أكبر للوجود بالقرب من مرسمي).

يواصل الخبراني ويضيف: (العزلة قد تساعد على خلق عمل فني أو زيادة الإنتاج أحياناً ولكن ليس في كل الأحوال، فالوجود وسط أفراد الأسرة وتلبية احتياجاتهم اليومية إضافة إلى متابعة التعليم عن بعد قد يحول دون خلق عمل فني؛ وعموماً: الفنان يحتاج إلى عزلة بين فترة وأخرى كي يبدع ويقدم أعمالاً أكثر جمالاً وإنتاجاً أكثر غزارة).

زكية المتعب: الرسم يمتص توترنا

الريم الغامدي: ملازمة المرسم تقربنا من الفن

سـمر القحطـاني: الفنان صديـق الوحدة

التفرغ للفن

ويختم الخبراني حديثه قائلاً: (الآن، باتت الفرصة مواتية أكثر من ذي قبل، خاصة لأولئك الذين يتعذرون بعدم وجود الوقت الكافي لديهم للإبداع، لاغتنام هذه العزلة وتسخيرها في القراءة والاطلاع والتفرغ للفن).

التباعد الاجتماعي

من جهته، يدعو الفنان ماجد المفرح الجميع للتقيد بتوجيهات الدولة ويقول: (من واجبنا كمجتمع سعودي أن نتعاون مع أجهزة الدولة والاستجابة للتوجيهات المشددة بضرورة الوجود بالمنازل وتطبيق التباعد الاجتماعي لتجنب الإصابة بفيروس كورونا كفانا الله وإياكم من كل شر ومكروه).

ويضيف المفرح: (الفنان المنتج، وبطبعه، وحين يكون في عزلة جزئية بين أعماله يظل في بحث وتجريب واطلاع على مختلف الثقافات لزيادة الوعي وتذليل الصعوبات بما يخدم الفنان والمنتج على حدٍ سواء؛ وفي ظل هذه الظروف الصحية الحرجة التي يمر بها العالم مع جائحة كورونا وقرار منع التجول في بلادنا على الفنان السعي لاستثمار وقته في مرسمه بشكل أكبر وأفضل لتقديم عمل فني وزيادة الإنتاج).

يواصل الفنان المفرح ويضيف: (الفنان جزء من هذا المجتمع، يتلمس حاجة أفراده ويتفاعل معهم ويصيغ أعماله الفنية وفق قراءته لما يدور حوله ولكي يتمكن من تفكيك هذه الأشياء وإعادة صياغتها يحتاج إلى عزلة بين فترة وأخرى يستجمع فيها قواه ويطلق مشاعره وأحاسيسه ليبدع ويتجلى في عمله وصولاً إلى مرحلة متقدمة من الأعمال الفنية).

جانب مشرق وإيجابي

من جانبها، تقول الفنانة زكية المتعب: (الفنان حساس بطبعه، وقد يتأثر أكثر من غيره بالأحداث التي تدور حوله، ومن جهتي أرى وجود جانب مشرق وإيجابي لكل مشكلة تحدث).

وتضيف المتعب: (إنفاذاً لتوجيهات وزارة الصحة والتزاماً بدعوة ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز - حفظه الله ورعاه - بملازمة المنزل والاحتراز من العدوى، وتطبيق هذا القرار كواجب وطني ومن باب الشعور بالمسؤولية أصبح لدي وقت أكبر أمارس فيه الرسم داخل مرسمي، فالرسم يمتص التوتر ويزجي الوقت، وكم كنت أتمنى في السابق أن يطول النهار لأتمكن من إنهاء عمل ما أو العمل دون توقف).

وتختم حديثها بالقول: (كل فنان له طقوسه في مرسمه الذي يعتبره عالماً آخر يستلذ بالمكوث فيه أطول فترة ممكنة، ففي العزلة حياة).

فصل جديد

وحول مدى إمكانية استثمار الفنان التشكيلي للعزلة وتسخيره فيما يخدم فنه تقول الفنانة العنود المحمود: (تعتبر هذه العزلة سانحة طيبة لأي فنان ليرتاح قليلاً من عناء التزاماته ويبتعد عن روتين الحياة اليومية والتفرغ لفنه، ومن جهتي بدأت في استغلال الوقت وتسخير كل جهدي لإنهاء أعمال وتجارب كانت مُؤجلة، وأستطيع القول إن هذه العزلة تعد بداية فصل جديد من حكاياتي مع اللون والريشة).

وتؤكد العنود مساهمة العزلة في ابتكار وتوليد أعمال جديدة، وتبين: (مع تزايد وتيرة الحياة وضوضائها وتنوع متطلباتها وما تستدعيه من وقت وجهد وتسببه من أرق بات الكل في حاجة إلى مُتنفس وعزلة بعيداً عن الضوضاء يلتقط فيها أنفاسه ويعيد ترتيب أوضاعه، وبالنسبة للفنان يعتبر المرسم هو أجمل مكان يعتزل فيه، كونه عالمه الخاص الذي يجد فيه نفسه).

تواصل العنود وتقول: (الفن والإبداع ليس لهما حدود، ولكل فنان قدرته على إنتاج الأعمال في أي وقتٍ كان، والعزلة قد تسهم أحياناً في زيادة الإنتاج الفني للتشكيلي ولكن ليس على الدوام).

تواصل حديثها وتقول: (الشكر لله أولاً على نعمه التي لا تُحصى، ثم لمليكي ووطني على ما ظلا يقدمانه لنا من اهتمام ورعاية، وأسأل الله أن يوفق قادتنا ويحفظ ملكنا ويديم على بلادنا نعمة الأمن والأمان والصحة والاطمئنان).

وتنهي حديثها قائلة: (أدعو كل شخص ينعم بالحياة على أرض المملكة بالتضرع إلى الله والدعاء بأن يكفينا شر هذا الوباء ويبعد عنا كل مكروه، ويديم علينا الأمن والأمان وراحة البال؛ وأتمنى أن يلتزم الجميع بالتوجيهات الصادرة من الحكومة، وأن نكون يداً واحدة ومجتمعاً واعياً لنعبر إلى بر الأمان بإذن الله).

الفنان صديق العزلة

وتؤكد الفنانة التشكيلية سمر القحطاني: (اعتدنا كفنانين سعوديين أن نستشعر المسؤولية دائماً في تمثيل أوطاننا وتبني المواقف الوطنية في كل الفعاليات والظروف، وهذا الاعتياد المشرف تجلى في الامتثال لتوجيهات حكومة بلادنا بالعزلة الاحترازية في المنازل (فترة تفشي وباء كورونا)، وكوني ضمن الفنانين التشكيليين جعلني أنظر لنفسي كما توقع الآخرون بأنني سأكون ممن يستغلون وقت العزلة للفن مزاولة ودعماً ومتابعة من مراسم منازلهم).

تواصل سمر وتضيف: (أرى أن الفنان صديق العزلة أينما تسنى له الوقت للتوحد مع فنه ولوحاته فهو يجدها فرصة كبيرة لصقل موهبته وتنميتها، كما أن مجال الفنون البصرية والتنوعات والمستحدثات المتجددة فيه يؤهل شخصية الفنان على التأقلم مع التغيير دائماً والتعامل مع الظروف بنظرة فنية محفزة للإبداع، وهذا ما لمسته في ذاتي حين لازمت مرسمي جل وقت العزلة الحالية).

وعن مدى مساهمة العزلة الإجبارية في خلق عمل فني وإنتاج أكثر تقول سمر: (صحيح أن عزلتنا إجبارية ولكن يظل استغلالها اختيارياً، وتبعاً لما يضعه الفنان من أولويات يكون استغلاله لعزلته (ويُتوقع ممن يتعامل مع الفن كرسالة ومجال حياة) أن يعطي لمرسمه وقتًا متماشًا مع قيمة الفن لديه، وكأغلب من يعيش الفن بكل جوارحه استقطعت للفن النصيب الأكبر من هذه العزلة وانغمست بين لوحاتي أتأمل المكتملة منها وأخطط لإتمام أخرى كنت قد أوقفت العمل عليها لانشغالي، وبدأت لوحة جديدة أخذَت وقتها الكافي من التخطيط والتهيئة والتأسيس بتروٍ حيث إن إنتاج الفن الجيد يتكئ على المزاج الجيد للفنان غالباً، وأحمد الله أنني ممن يتحسن مزاجهم بمجرد توفر اللوحة وعدة التلوين والمكان والوقت الكافي للإبداع).

تختم حديثها قائلة: «أدعو كل من يمتلك موهبة أو هواية وكان يتحرى أوقاتًا لممارستها أن يستغل المهدر من وقت (العزلة) في التمتع بها، سواء من حيث الإنتاج الملموس أو حتى الاستزادة المعرفية، وهذا ما نجد أنفسنا محظوظين به مع توافر مواقع التثقيف الفني الواسعة عبر النت، فأنا مستمتعة بما توفر لدي من وقت لأتصفح الكثير من المواقع والمقالات التي كنت (أُحمّلها) في خانة (القراءة لاحقاً)، وأطيل ساعات قراءة الكتب الفنية التي أحتفظ بها، وكأني قدمت فترة العزلة الصيفية التي أمنحها لي ولفني كل عام (بقضاء شهر من إجازتي الصيفية معتكفة في مرسمي)؛ لأني أقدر ضرورة أن يمنح الفنان وقتًا مخصصاً لفنه، للتأمل والتركيز والمصارحة مع ما ينتجه لكي يمضي في مسيرته الفنية مستنداً على محطات ثابتة وملامح واضحة لتجربته، ولعل هذه العزلة سبب في انغماس الفنانين مع تجاربهم وتطويرها وتنقيحها، وهو ما أتوقع أن أعالجه في مرسمي (وخصوصاً آخر تجاربي في لوحات ملامح سيدات الحلي) والخوض في تجربة ولوحة جديدة بمفردات وليدة لذات السياق ومعالجات لتجارب سابقة بمتعة وتفاؤل، وأتمنى أن يتعامل كل فنان مع هذه الفترة العصيبة بما قد يتاح له من الإيجابية والتفكير الإبداعي، راجيةأن تزول كل الشدائد عن بلادنا الحبيبة ويمن الله عليها بالأمن والأمان».

إصرار

وتقول الفنانة وجدان الجهوري: (أنا مثل شجرة ثابتة قوية واثقة من مواجهة العواصف والرياح والأمطار دون خوف من لهيب الصيف وصبورة وغير خائفة من أن لا يأتي الربيع يوماً، فهكذا أنا دائماً، والعزلة المنزلية لم تزدني إلا إصراراً لأجد نفسي في عزلة إجبارية كم تمنيتها).

وعن أهمية العزلة للفنان تقول الجهوري: (العزلة مفيدة جداً للفنان، فهي فرصة لترتيب الأفكار وخلق إبداع خاص به وسانحة لتغذية النفس والروح بأفكار جديدة).

وتبين الجهوري حقيقة حاجة الفنان للعزلة وتضيف: (الفنان الحقيقي يحتاج للعزلة بما يسمح لكل فكرة وكل جزء من مشاعره للانغماس كليًا في تفسير اللاوعي والانتظار والصبر لساعة ميلاد عمل جديد).

وتختم الجهوري حديثها بالقول: (ستظل الكلمات عاجزة عن وصف ما تمنحه العزلة للفنان الحقيقي فقط تذكر دائماً أن الصبر هو كل شيء؛ ففي قصة يونس عليه السلام في بطن الحوت الكثير من العبر لفوائد الصبر).

التقرب أكثر من الفن

الفنانة الريم الغامدي كانت آخر من التقيناه، تقول: (ما لا شك فيه أن العزلة تساعد الفنان على التقرب أكثر من الفن وممارسته بشكل أفضل، وتمثل هذه العزلة المنزلية الإجبارية إحدى الفرص الثمينة لأي فنان لملازمة مرسمه وإنجاز أعمال رائعة).

تضيف الريم وتؤكد: (لا يختلف اثنان على أن العزل الإجباري والابتعاد عن مشاغل الحياة مؤقتاً يساعد الفنان على ابتكار أعمال فنية جديدة وزيادة إنتاجه، سيما أنه يكون متفرغاً لمرسمه ويسعى لاستثمار وقته وتفريغ طاقته في الرسم).

وحول أهمية العزلة للفنان تضيف الريم: (الفنان كغيره بحاجة للعزلة لالتقاط أنفاسه، وحين يصاب الفنان بالجمود أو يكبله الروتين اللااعتيادي أنصحه بالعزلة حتى يبحث وينظر في الفن أكثر ويستمد الإلهام من أعمال أخرى).

تختم حديثها معنا وتقول: (العزلة أمر ممتع حين تستغل بالطريقة الصحيحة).

مرسم التشكيلية سمر القحطاني
مرسم التشكيلي إبراهيم الخبراني
التشكيلي ماجد المفرح في مرسمه
ماجد المفرح
إبراهيم الخبراني
وجدان الجهوري