لم يكن فهد راشد العبدالكريم رئيس التحرير الذي فقدناه يوم الجمعة الماضي إنساناً عادياً، أو مجرد مسؤول في الصحيفة، وإنما كان علامة بارزة في التوثيق لصحيفة "الرياض" ومراحل تطورها، كما كان محطة مهمة، تستوقف كل من يقرأ تاريخ الصحافة السعودية، فضلاً عن كونه إنساناً محباً للخير، مقبلاً عليه، يحنو على الصغير، ويساعد الكبير، مدركاً أن صفة "الإنسانية" أسمى العلامات التي ينبغي أن يتصف بها البشر على ظهر هذا الكون.

العبد الكريم أحد روّاد الكلمة الصادقة والمعبرة، لم يجامل أو يهادن أحداً لا يستحق، لم يُشهر قلمه إلا لنصرة الحق والعدل، امتازت كتاباته بين جيله بالشفافية والنزاهة، وكان - رحمه الله - يدرك جيداً متى يكتب، ومتى يلتزم الصمت، إلا أنه كان أول المدافعين عندما يتعلق الأمر بالوطن، فيواجه أعداء المملكة والحاقدين عليها بكل عنف وضراوة، وكانت لديه القدرة على التحليل الدقيق للموضوعات المُعقدة، وتوضيح الحقائق ووصف العلاج، ليس لسبب سوى أن آراءه الوطنية نابعة من عشقه لتراب هذا الوطن.

لم يصل الفقيد إلى رئاسة تحرير "الرياض" من فراغ، وإنما من خلال مسيرة عملية مليئة بالنجاحات والإنجازات، حيث صعد سلم الصحافة درجة تلو الأخرى، من بوابة الزميلة مجلة "اليمامة"، التي بدأ فيها مشواره الصحافي محرراً صغيراً، ولفت الأنظار إليه، وأصبح مع مرور الوقت أحد أبرز الصحافيين السعوديين، الأمر الذي أهله لتولي رئاسة تحرير "اليمامة"، قبل أن يقع عليه الاختيار لرئاسة تحرير "الرياض" في العام 1438هـ.

وقاد العبد الكريم "الرياض" في أوقات حرجة للغاية، ورغم ذلك نجح - رحمه الله - بما يملك من خبرات كبيرة وأفكار، في مواكبة المستجدات، وتعزيز مكانة الصحيفة، كوسيلة إعلامية متطورة ومرغوبة، بما تنشره من أخبار وأحداث وتغطيات بمهنية عالية، سواء في نسختها الورقية، أو موقعها الإلكتروني الذي واكب كل جديد وحديث في الساحة الإعلامية في الداخل والخارج.

ويُحسب للفقيد العبد الكريم طيلة تاريخه الصحافي، أنه كان مؤمناً بأهمية إيجاد أجيال من الصحافيين السعوديين المؤهلين لتولي الراية جيلاً بعد آخر، ومن هنا فتح المجال لكل من يريد العمل في الصحافة، سواء في "اليمامة" أو "الرياض"، اللتين تحتضنان اليوم صحافيين بارزين، يدينون بالفضل - بعد الله - إلى الزميل العبد الكريم.

في مقر الصحيفة، مازالت القلوب حزينة، والعيون تدمع لرحيل العبد الكريم، الجميع يعزون أنفسهم ويترحمون عليه، ويسألون الله أن يسكنه جنة المأوى، نظير ما قدم لوطنه وللعمل الصحافي.. والعزاء موصول لأسرته ومحبيه.