إنها نتيجة طبيعية، أعني تلك الاستقالة التي أعلنها حسان دياب، حيث هي وما سبقها من كوارث وليس آخرها انفجار المرفأ، النتيجة الحتمية لقبول جزء من اللبنانيين - وللأسف - أن يحكمهم ملالي إيران عبر حزب السلاح الذي أعاد البلد إلى القرون الوسطى..

بداية ما من شك أن الانفجار الذي وقع في العنبر رقم 12 في مرفأ العاصمة اللبنانية بيروت مساء الثلاثاء في 4 أغسطس لم يسمع صداه في العاصمة الإيرانية طهران إلا على أنه حادث عرضي في إحدى العواصم العربية التي صرح نظام الملالي بالسيطرة عليها ولا يعني الإيرانيين أن العاصمة اللبنانية اهتزت على وقع العصف الذي أصاب أحياءها وأبنيتها وأجساد أبنائها على شاطئ البحر الأبيض المتوسط إلا بقدر أنه قد وقع في عاصمة دولة تمثل عقدة أساسية في الصراعات الإقليمية ومن ورائها الدولية، وفي المعركة المحتدمة بين محور الاعتدال العربي وما يسمى بمحور الممانعة بقيادة النظام الإيراني والذي لم نر منه نحن اللبنانيين سوى عزلة دولية بسبب أنشطة حزب الله المشبوهة والتي تنوعت وتتنوع بين تهريب الأسلحة والمخدرات وغسيل الأموال والاغتيالات والتفجيرات الكبرى...

اليوم وإلى أن ينتهي التحقيق وما بعد التحقيق مما من شك لدى أي لبناني أن "حزب الله قد خزن عدداً من المواد التفجيرية داخل العنبر الذي انفجر معتمداً في ذلك على تأثيره الكبير على المرفأ نتيجة تحالفه مع التيار الوطني الحر، والذي يتبعه رئيس مرفأ بيروت".. وما من شك أيضاً أن الحزب والذي يعرف كل ساكني أحياء بيروت بأسمائهم وأعمالهم كما رأينا بوضوح عند غزوه بيروت العام 2008 وقتل أكثر من 60 مدنياً في رأس بيروت هو الأداة الوحيدة التي تسيطر سيطرة كاملة على المرفأ عبر عملائها الذين ما كان للتحقيقات الدولية أن تكشف أسماءهم الحقيقية إلا عبر تتبع شبكات الهواتف بطرق وتقنيات مذهلة... فكيف لا يعرف هذا الحزب حسب زعم أمينه العام ما يدور في المرفأ وهو الذي شن حرباً على العاصمة في العام المذكور لأجل أن لا يتغير رئيس جهاز أمن المطار الذي يتبعه؟... قد تكون إسرائيل علمت بشكل أو بآخر بما يوجد في ذلك العنبر فأقدمت على قصف متفجرات حزب الله ووقع هذا الانفجار الكبير الذي شاهدناه جميعاً.. والذي لا يمكن أن يحدث بشكل عادي كنتيجة لشرارة كهربائية أو غيرها بل أغلب الظن أنه حادث مدبر وبفعل فاعل، وقد يكون تهديداً للمحكمة الدولية كما كنا نرى قبيل صدور أي قرار دولي يخص لبنان حيث يتم اغتيال شخصية بارزة كما هو بوضوح في حادثتي اغتيال جبران تويني وبيير الجميل.. ولست هنا لأطيل في التحليل وراء سبب الانفجار لكن كل دليل في اعتقادي سيوصلنا إلى أن "أصابع الاتهام تشير إلى تورط حزب الله الذي قام بتخزين هذه المتفجرات من الأساس وتسبب في تفجير البنية التحتية وإحداث هذه الحالة من الانهيار في لبنان.. في سلسلة من ألاعيبه وأنشطته المزعزعة والتي ترعاها إيران في كل المنطقة، بدءاً من اليمن وصولاً إلى سورية ثم إلى العراق.

ولا يخفى على أي مراقب أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، كان هناك تراكم مستمر للأسلحة من إيران كجزء من الجهود المتضافرة التي تبذلها إيران لتعزيز موطأ قدمها في لبنان وسورية.. والشيء الوحيد الذي يمكن أن نتأكد منه هو أن هذا الانفجار من الطبيعي أن يدفع لبنان إلى فوضى سياسية واقتصادية عارمة، في وقت أصبحت فيه الدولة اللبنانية دولة فاشلة معزولة عن المجتمع الدولي...

لن أستبق التحقيقات ذات المصداقية حول الإجابة على السؤال الذي يشغل العالم وهو كيف ولماذا حدث الانفجار؟ ذلك أن "الإجابات بدأت تتضح شيئاً فشيئاً بشأن التساؤلات عن أسباب الانفجار ومن يقع وراءه، لكن الثابت بأنه سواء كانت جهة رسمية وراء الانفجار جراء إهمالها، أو كان السبب حزب الله الذي حول لبنان أرضاً أسيرة لديه، يتحكم في غالبية الأمور فيها وبالأخص إدخال السلاح وتخزينه، إلا أن الإجابة الأهم من ذلك هي أن تباشير انتهاء سطوة هذا الحزب الموالي لإيران قد لاحت في الأفق وأن أي حكومة أو سياسي محسوب عليه أو حتى عهد استطاع هذا الحزب إيصاله لحكم البلاد قد انتهى سياسياً وإلى الأبد.. وبالنسبة للانفجار فلن يرتضي أحد من اللبنانيين تقييد هذه الكارثة ضد مجهول.

أما عن ساسة لبنان فها هي الشخصيات السياسية اللبنانية المتعاونة مع حزب الله بدأت تتساقط وتهرب من المشهد السياسي بتسجيل مواقف بالاستقالات والتصريحات، بعد أن شاهدوا مدينتهم ومصالحهم التجارية وأسرهم تتدمر في كل بيروت عبر متفجرات شديدة التأثير في ميناء تجاري واقتصادي وفي غالب الظن من أجل إيران.

حسان دياب أعلن استقالته لكن ما لم يقله هو أن اللبنانيين كانوا قد أضاعوا - وللأسف - فرصاً كثيرة في الماضي القريب كانت يمكن أن تساعدهم على بناء الدولة التي يطمحون إليها بدءاً من اتفاق الطائف العام 1989 مروراً بانتفاضة 14 مارس (آذار) 2005 ثم ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وصولاً إلى تلقف موقف البطريرك بشارة الراعي الأخير حول حياد لبنان واستعادة الشرعية، وهي فرصة حسب رأيي لم تقتنصها المعارضة على المستويين السياسي والشعبي. واليوم نرجو ألا يفوّتوا فرصة رفع مسألة تفجير المرفأ إلى مجلس الأمن الدولي ليكون مفتاحاً لمحاسبة نظام الملالي وأتباعهم على كل ما فعلوه في لبنان...

ما لم يقله حسان دياب هو أن هذا الحدث الزلزال فرض معادلة التغيير السياسي الشامل، وذهاب التدخل الإيراني دون عودة، وكذلك سيفرض تغيير المنظومة الفكرية السياسية، التي أسست على الطائفية، واستبدالها بميثاق وطني جديد يحفظ للجميع حق المشاركة واتخاذ القرار دون سيطرة فريق على الآخر.

ما لم يقله حسان دياب هو أنه قد انتهى عهد سلاح يعلو على سلاح الدولة وأن أصحاب ذلك السلاح مطالبون بتسليم سلاحهم للدولة اللبنانية ضمن إشراف دولي، يضمن المساواة المدنية لجميع أبناء الشعب اللبناني، والابتعاد عن التشكيلات العصابية، التي تتغول على الدولة والشعب في آن واحد، ولن يقبل الشعب اللبناني والعالم أن تستمر الأمور كما كانت عليه قبل الرابع من أغسطس والذي كان السبب في فك عقدة كثير من الألسن التي أرعبها السلاح الإيراني زمناً طويلاً.