يكشف التقرير السنوي لوزارة السياحة للعام المالي 1441هـ، الصادر من “مجلس الشورى”، ليس فقط عن التحديات التي يواجهها قطاع السياحة، وإنما عن التحديات التي تواجه بلدنا ورؤية 2030، فهذا التقرير يشير إلى أن عدم تعود السكان المحليين على الاختلاط بثقافات خارجية بشكل كبير يعتبر من معوقات تطور القطاع السياحي في المملكة.

وأنا أعتقد أن المسألة أبعد من عدم تعود السكان المحليين على الاختلاط بثقافات خارجية بشكل كبير - فلنتذكر فقط الضجة التي أثارها خروج شبابنا، في عز صيف عام 2016 على دراجاتهم النارية في كورنيش الدمام، للترويح عن أنفسهم وهم يرتدون سراويل قصيرة. فهؤلاء الشباب من لحمنا ودمنا وليسوا أجانب. ولذلك، فإن تقرير وزارة السياحة يقلل من جدية المشكلة.

إن الاتهام كان يفترض أن يوجه ليس إلى السكان وإنما إلى قطاعي الإعلام والتعليم، اللذين كانا ينتجان باستمرار ثقافة ضيقة قصيرة النظر تتعارض باستمرار مع تطور المملكة وازدهارها. فقطاع الإعلام كان يسمم عقول السكان صباح مساء بثقافة عدم قبول الآخر، ويروج لمفهوم احتكار الحقيقة المطلقة ونفي أي إمكانية لشرح الأمور بطريقة مغايرة لا تتفق مع تفسيرها ومفهومها هي لها، ولذلك أطلق العنان لمروجي هذه الفلسفة البغيضة، فأصبحوا وحدهم نجوم الشاشات التي لا يغيبون عنها.

وهذا كله كان يجري بشكل متوازٍ مع مناهج تعليمية تلقن السكان منذ الطفولة، وفي الفصول الأولى للدراسة، مواد مشابهة لما يروجه الإعلام. فأغلقت الدائرة على الفكر وأصبح الضخ التعليمي والإعلامي المتآكل هو وحده الماكينة التي تصنع الثقافة والتقاليد والعادات التي كانت تستمد من ارتفاع أسعار النفط ما تحتاجه من أموال.

ولذلك، فإن تراجع أسعار النفط، قد غير المعادلة، فالناس حتى تشرب وتأكل تحتاج قبل كل شيء أن تحصل على مصدر للرزق. وعلى هذا الأساس، جاءت رؤية المملكة 2030 لإعادة هيكلة الاقتصاد وإيجاد بدائل للعيش من مصادر أخرى بالإضافة إلى النفط.

ولكن هذه البدائل، تحتاج إلى ثقافة أخرى وفلسفة أخرى غير الفلسفة والثقافة التي نشأت وترعرعت على أسعار 140 دولاراً للبرميل. فتلك الأسعار المرتفعة يمكنها إطعامنا وإلباسنا نحن الرجال، حتى وإن جلسنا في بيوتنا مثلنا مثل نسائنا. ولذلك، فليس غريبا أن تتشكل في ظل تلك الأسعار ثقافة الانعزال. فعائدات النفط المرتفعة كانت كفيلة ليس فقط بإطعامنا وإلباسنا، وإنما بتكوين فوائض مالية لدى العديد.

ولذلك، فمع انخفاض أسعار النفط، نحن في حاجة إلى ثقافة أخرى وفلسفة مغايرة، فلسفة براغماتية تساعدنا وخاصة الشباب على كسب الرزق من مصادر أخرى قد لا تعتمد على ارتفاع وانخفاض أسعار النفط.