«نحضّر أنا وأبي العجينة عند الفجر ليكون الكعك جاهزاً في الصباح، يقطّر أبي صبغة الطعام الحمراء في زجاجة الماء الشفيف، تسقط القطرة من حيزها الضيّق إلى سِعة الماء، لينتشر اللون في كل الأرجاء، أضع وجهي خلف الزجاجة وأرى الفناء وشعاع الشمس أحمرين، الألوان عوالم تتجدد. نعجن الدقيق بالماء الملون، أنا أختار العجينة الحمراء وأمي تساعدني، وأبي يتولى أمر بقية الألوان. كم أحبّ هذه اللزوجة، ستعلّمني العجينة فيما بعد الملمس الغروي للورق المعالج بالمواد اللاصقة».

هكذا يرتسم المشهد في مخيلتي وأنا أتتبع نشأة الفنان الإماراتي الرائد حسن شريف في الخمسينيات من القرن المنصرم، في حيّ الرفاعة ببر دبي، فناء البيت المؤطر بالجريد، اللوحة الأولى التي اختبر فيها الفنان ألوانه بصحبه أبويه، والحيّز الذي حقق فيه تماسّه الخاص مع الخامات، اقتاده حلمه إلى المملكة المتحدة لدراسة الفنون في مدرسة بيام شاو في لندن، لكنّه ظلّ مرتبطاً بحلم الجماعة، فانضم إلى زملائه الفنانين في اجتماعاتهم التأسيسية لجمعية الفنون التشكيلية في كل عطلة يقضيها في الإمارات، حتى أشهرت الجمعية عام 1980، ثم عاد عاكفاً على خطين متوازيين؛ بناء التصور الخاص به والذي جعله رائداً للفنّ المفاهيمي في الشرق الأوسط، والدور المجتمعي التنويري الذي شغله، فأسس مرسم المريجة في الشارقة وعلّم أساسيات الرسم فيه عام 1984، كما أسس المرسم الحر في دبي عام 1987 ودرّس فيه أيضاً. تسلل الفن إلى قلم حسن شريف فكان مؤسساً ومحرراً لمجلة التشكيل، كما ترجم العديد من المقالات حول الفن التشكيلي، وكتب عن العديد من زملائه في الإمارات، ومعارضهم الفنية وأهم أعمالهم.

شكّلت أعمال الراحل حسن شريف جدلاً واسعاً حول كينونتها وانتمائها للفن من وجهة نظر كلاسيكية، ثم انسحب السؤال على جدوى الفنّ ودوره، لقد كانت خامات شريف بسيطة حدّ استصغارها، ففي معظمها الورق والبلاستك والحبال والأسلاك والصفائح المعدينة والأقمشة الملونة، وزاد من ذلك عرضها بطرق مغايرة في بيئة فنية تقليدية، لقد سار الفنان في طريق وعرة، أزاح فيها العمل الفني من حدود اللوحة والإطار، وقلب مفاهيم العرض، فكان منه المُلقى على الأرض، والمثقوب أو الممزق بأشكال لا نظامية، تتدلى منه الحبال والأسلاك، حيث كان واقعياً أكثر من الواقع نفسه، إذ يقول عنه أحد الفنانين الغربيين: «لقد أحسست بلحظات من التوتر العظيم أو الخلاق خلاف ما شعر به الآخرون، ولا أعتقد أنّ هذه الأعمال بعيدة عن البيئة المحلية».

إنّه الفنان المعنيّ بشجب الأعمال واستنكارها من قِبل المتلقي، كان يرى ذلك علامة الشك والتساؤل الذي ولّده العمل، وبوادر الانزعاج تلك تعمل ببطء في ذهن المتلقي، فقد عاد بعضهم بعد سنوات للاعتذار للفنان بعد الاستنكار الأول، وبدأ بالتجاوب واستنباط المعنى خلف تلك التراكيب، هكذا سعى الفنان إلى المتلقي غير العادي، الجديد والذكي.

وككلّ دُعاة التجديد وتجاوُز النمطية، قوبل حسن شريف بموجات من المقاومة تارة، والهجوم تارات أخرى، لكنّ نجاحاته جاوزت المنطقة عابرة معظم العواصم العالمية، ليستقر العديد من أعماله كمقتنيات قيّمة في متاحف الفن، مثل متحف جوجنهايم نيويورك، ومتحف اللوفر أبوظبي، ومركز موبيدو للفنون والثقافات بباريس، ومتحف الفن الحديث بلندن، وفي الثامن عشر من سبتمبر 2016، ترك الفنان المفاهيمي الرائد أسئلة الفنّ مشرعة وراءه ليرحل عن عالمنا ومشاكساته إلى فضائه البعيد الخاص.

عمل فني لحسن شريف.
مريم الزرعوني