اعتاد الإنسان بأنانيته المجردة أن يرتكئ بزهوٍ لوحده على هاوية الزوال بلا أمل، وألا يعترف بشيء للحياة، وأن يقيم حياته على هوة سحيقة من الأفعال الإنسانية، وأن يجعل الحياة مسرحاً بوهيميًا لسلوكياته بعد معرفته لسر الحياة في قوله حين يكشف ذلك في قوله: (إنني قد وصلت بالفعل) قبل أن يؤكد استمرارية بحثه عن الحقيقة بالقول: (عشت حياتي وأنا أفتش عن اللوحة البيضاء التي يشرع الإنسان على أساسها في البناء) «كامو».

وما زال كذلك، هذا الإنسان، يستدعي الأنا في ضميره الإنساني ويحاكمه بأفكار متوجسة من الحقيقة: «لا ياحضرات السادة، بالنسبة لنفسي، أنا ما يعتقده الآخرون» بيراندللو، ويتشظى في صراعه الداخلي مع ذاته ومواجهة تساؤلاته، ماذا لو كان الضمير يمثل عبئاً اخترعناه على أنفسنا؟ ماذا إذا قبلنا ما تمليه علينا التأثيرات الخارجية وأضفينا على الضمير صفة ذاتية؟ فيتشكل الضمير بين التحيز والجهل.

يمثل الضمير الوتد الذي يفرض من خلاله القيود والموانع المجتمعية للسلوك الشخصي للأفراد - ومصدراً يعوّل عليه الرقي الأخلاقي - ووفقا لمعجم المعاني الجامع هو استعداد نفسي لإدراك الخبيث والطيب من الأقوال والأفعال والأفكار والتفرقة بينهما، واختلف العلماء والمفكرون والفلاسفة في تحديد (ماهية الضمير) والتعبير عنه، فالنفسيون يصفونه بأنه نظام تقييميّ ذاتي وخارجي لردود الأفعال والتصرفات، واعتبره البعض الآخر قوة دافعة للتهذيب الذاتي للأفراد وسيادة الأخلاق الحميدة في المجتمع.

ويتمعر الضمير في وجوه عدة وذوات أخرى خارقة للطبيعية بين موضوعية الغريب والألفة الشديدة مع أفكارنا، ما بين الندم وهمس أصوات الضمير القابع في بؤرة العقاب، الذي قد يتخفى في مظهر اللطف والإصلاح لحالنا وهو العذاب اللانهائي الذي يشوهه، فيبالغ الإنسان في تقدير الأخطاء وزيادة الشعور بالذنب وجلد الذات.

تمثل رواية (الجريمة والعقاب) للكاتب الروسي دوستويفسكي درساً للضمير وليس تبريراً له بالمعنى الدقيق، حيث ينشغل البطل (راسكولينكوف) بضميره الذي يشكل في حالته وسياقات قصته (الخوف الفطري)، ويعترف بالضمير أنه قيد غير ضروري على اختيارات الإنسان وأفعاله، وجاء على لسانه «إننا نستطيع عند اللزوم أن نخنق حتى إحساسنا الأخلاقي! إننا نستطيع عند اللزوم أن نحمل إلى السوق كل شيء فنبيعه فيها: الحرية، الطمأنينة، وحتى راحة الضمير!».

ومن وجهة نظر نيتشه، فإن الضمير يحرِّض على هذا الاتهام الذاتي، وهكذا فهو يصبح جزءًا من المشكلة وليس الحل بالنسبة للجنس البشري وهو يقول: «إنني أنظر للضمير النادم بوصفه المرض الخطير الذي يصاب به الإنسان لا محالة».

وطبيعة البشر تختلف عن الآخر من حيث صحوة الضمير وعدمه، وما يتخلل صفاتهم من قيم أخلاقية ومبادئ لتحقيق التوازن النفسي لديهم، وندرك أن الحس والوعي هما صوت الضمير الإنساني الذي يتحقق بالإيمان الحقيقي، وهذا كافٍ ليشعرنا بإنسانيتنا وفطرتنا الفطنة. والقاعدة والفيصل في استفتاء الضمير قول سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام لوابصة ابن معبد: «سأل رسول الله عن البر والإثم فقال يا وابصة استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك فى القلب وتردد فى الصدر وإن أفتاك المفتون».

ويشتد الصراع بين العقل والقلب في معركة الضمير - العقل الذي يفرض النظام ويشكل القانون والحدود، والقلب الذي لا يعترف بحدوده ويتوق للنفاذ وراء الظواهر، واكتشاف جوهر الوجود الإنساني بعواطفه ورغباته البدائية المحضة، وتعود مركزية الضمير في الوفاء بالمهام الموكلة إليه في نواميس استقامته الأخلاقية، فكيف يمكننا أن نرى ذواتنا من خلال ضمائرنا؟

فريدريك نيتشه
بيراندللو
البير كامو