رواية وسادة من عشب، للكاتب الياباني ناتسومي سوسيكي، رواية تأملية شاعرية في غاية العذوبة، يصحبنا فيها ناتسومي سوسيكي في رحلة فنية باذخة الجمال في ظل طبيعة خلابة وخيال طري لفنان يحاول أن يتلاشى مع فن العالم وفنه الخاص، مزيج من تأملات، من حساسية معقدة ينشأها الفنان مع ما حوله من طبيعة ومن شخصيات، يأخذنا حتى أعماق التأمل الإنساني المرتبك أمام حضرة الجمال وبواعث الحب والنشوة التأمل في الطبيعة؛ «كل مبدعٍ هو عظيمُ القيمة لأنه يخفف من قسوة عالم البشر ويثري قلوبهم».

هي رحلة رسّام وشاعر هايكو (نوع من الشعر الياباني)، يصعد الجبل من قرية ناكوي إلى حيث يقع نزل المياه الحارّة باحثاً عن السكينة، وخلال الرحلة يروي سوسيكي سيرة الشعر والفن والثقافة، ومعاناة المثقف في أي مكان، ومواجهة مصاعب لحظات الإبداع.

«عليّ أنْ أعثر بطريقة مّا على الألوان والأشكالِ والنغمات التي ستتحركُ فيّ وأنا أرسم، على الإدراك المفاجئ الذي يجعلك تصرخُ دهشةً (آه! وجدتها! هذا هو أنا!) عليّ أن أرسم مصحوبًا ببرقِ الاكتشاف اللحظي المُفرح، ذاك الذي تعرفه أُمٌّ جابت أصقاع الأرض كلها بحثاً عن ابنها الضائع الذي لم تنسه لحظةً، لا في نومها ولا في صحوها، ثم عثرت عليه ذاتَ يوم فجأة على مفترق طرق».

يحتفي سوسيكي في هذه الرواية بالجبال والغابة التي لم تصلها يد الحضارة، ويهجو المدن التي تجعل قاطنيها أشبه بالمساجين، «الحضارة الراهنة تَهب كلّ شخص رقعة صغيرة من الأرض وتقول له إنّ بوسعه أنْ ينام فيها ويستيقظ تضربُ فيما بعد سياجًا من الحديد حولها، وتهددنا بعواقب وخيمة إنّ تجرأنا ووضعنا قدماً خارج السّياج».، «لقد منحت الحضارةُ الأفراد حريتهم محولةً إياهم بهذا إلى وحوش بريةٍ، ثمّ أرادت أن ترسي السّلام فزجت بهؤلاء الأشقياء وراء القضبان. وليس هذا بالسلام الحقيقي، إنّه سلام حديقة الحيوان».

يكمن جمال الرواية وعذوبتها أنها كُتبت على يد فنان وشاعر، حيث تتشبع فيها بالجمال والفن. وهنا يتجسد الفرق بين وسادة من عشب، وكرسي القطارات التي تحشر الناس داخلها كعُلب الساردين.

خالد المخضب