تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية صورة افتراضية (لقيس وليلى).. تلقفها هاتفي من أكثر من صديق.. ولعلنا جميعا ندرك على المستويين الثقافي والشعبوي أن قيس بن الملوح وليلى العامرية.. هما أيقونة الحب في تاريخنا العربي.. حتى أصبحا أسطورة خالدة ومتلازمة تاريخية للعشق والهيام.. وافتراض صورة لهما بعد مرور أكثر من ألف سنة على حكايتهما -هذا إن لم نشكك بها- لا بد وأن يأتي موجَّها ولغرض عصري مستهدف.. ومن هنا بدت الصورة ذات الملامح القبيحة لهما مذيلة بعبارة متناقلة معها من باب الطرافة مفادها (كرهت الحب حينما رأيتهما) موجّهة ضد الحب من خلال أيقونته.. عندها أخذت أتساءل لماذا تفترض صورة مشوهة لهما.. على الرغم من أن الخيال الفني يأخذنا لامرأة جميلة سحرت عاشقها حد الجنون.. ولفارس مكتمل تخلى عن حياته كلها باسم الحب.. هذا ما يمكن أن يأخذنا إليه الخيال المجرد حينما نفترض صورة سمعية متخيلة أو أسطورة تحكي قصة من أعظم قصص الحب التي نتمثل بها ونستلهمها ونستدعيها بين هيام وآخر..

إن حكاية قيس وليلى، بما احتملته من خيال فني وقصائد شتى، تظلّ برمزيّة عميقة لدى النشء، ففي تسفيه سيرتهما وتسطيحها بهذا النسق تسفيه لقيمة الحب «وجوديّا» في عصرٍ أكثر احتياجًا للحب الصادق المجرّد والذي بلا شك ظل تراثنا القديم نموذجاً له، سواء كان زمنًا تناقلناه أو حتى تاريخًا ارتضيناه...

ومثل هذه الصورة الافتراضية المشوّهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة والمنتشرة، إنما هي امتدادٌ لمحاولة تشويه تراثنا الفنّي تحديدًا، فقد سبقتها بعقود القنوات الفضائية وإعلاناتها التجارية التي وظّفت التراث توظيفا سطحيّا أو حتى تسفيهيّا.. ولعلني أذكر ذلك الإعلان التجاري القائم على سيرة عنتر وعبلة في مشهدٍ ينسف تلك الأسطورة التراثية أو حتى آلية استدعائها حيث تردّ فيه عبلة على شطر البيت الشهير.. «ألا عم صباحاً دار عبلة واسلمي» بقولها: (لا صباح ولا عبلة .. جيت البيتزا بتاعتي؟!)..!

ومهما يكن الأمر، فإن ما نراه من هجوم شعبي أو فني على قيمة الموروث الثقافي العام لنا كأمة ذاكرتها لغوية مطلقة، وحضارتها لغوية مثقفة، وحكايتها ما يتسق مع هذه اللغة ورؤياها بكل حوادثها التي صدَّق عليها الشعر دائمًا بحاجة ماسة لتدخل المثقفين الصادقين مع ذاكرتهم، والمخلصين لموروثهم، والمؤتمنين عليه، من أجل حمايته فالاستخفاف بحكاية قيس وليلى أو طلل عنتر سيعقبه الاستخفاف بمطر السياب، ثم التهكم بخبز درويش، ولا عزاء للشعراء في عصر البنكنوت!..