(للشاعر عبدالله الوشمي)

«الفنانون وملايين الشعراء الذين يحفرون في قلوبهم تراث الإنسان الفكري، لا يمكن أن يظلوا أداة خرقاء في يد الفلسفة أو نظريات المعلقين السياسيين»

                               (الصادق النيهوم)

الشعر فن قائم بذاته لا يمكن أن ينزاح عن مكانه في مضمار الفنون العديدة، حيث جعلها هي التي تحاول الاحتكاك والتقرب منه، وخاصة ما يندرج منها في مربع الكتابة ولا تبتعد الريشة، فالرواية والقصة والمقالة تلجأ إلى ما أمكنها بإمساك البعض من الشعر في عملية مزج أو رتوش لكي يقال عند مصافحتها من قبل أعين المتلقين إنها (شاعرية) وهذه السمة التي يجري وراءها الكثيرون فرضت على الذائقة الإنسانية تأثيرها تلقائياً تستمده من جذور الجمالية المنشودة المتأصلة في القصيدة التي صاحبتها أو على الأصح نبعت منها وتمكنت من إضفاء جمالياتها على العمل الذي يدنو منها متمسحاً بطريقة ما وبما يمكن أن تضيف إليه حركته المستعينة بغية عملية تكامل في منظور الجميع.

للشعر فرادته بأنه (شعر) في القصيدة الطويلة، والمقطوعة، أو القصيرة، لأنه يمثل الشعور المتدفق في رسم حالة إنسانية تعني الإنسان البشرية جمعاء

الإنسان في كل مكان هو الإنسان، نفسياً، تركيبياً وحضارياً ولا يفرقه سوى اللسان، أما في مضمون الحياة فلا فرق حيث تتماشى مع موقعه وبيئته، وفي الشعر الذي يقال عن الحياة في أي بقعة من الأرض تتماثل الهموم والاهتمامات، وحيث ما ترجمت قصائد إلى لغة أخرى أعطت المعنى الذي كان يعبر عنه الشاعر مهما كان موقعه في المعمورة، فالشعر هو الفن الذي يوسم به جمال العمل الإبداعي وخاصة الأدب وما ينطوي عليه، أما العلوم غيرها وخاصة الفلسفة لكونها تعتمد على التحليل والنتائج والتجريد فإن ما يشبه التنافر بينها وبين الأدب يبرز بين حين وحين ومذ ألغى (أفلاطون) الشعراء/الفنانين من جمهوريته، ولكنه لم يقدر على نفيهم كما قرر وتخيل في جمهوريته، لكون الشعراء/الفنانين، كانوا ولا زالوا في كل مكان من الأرض التي تسعد بتواجدهم كما يسعدون بها كما تذهب الروائية/ الفيلسوفة (آيريس مردوخ) بقولها: «يبدو من حسن طالعنا جميعا أن الفنانين لا يعيرون الكثير من الاهتمام بالفلاسفة، ولكن يمكن أحياناً للفلسفة أن تدمر الفن من حيث إنها قد تعمي الأبصار عن رؤية بعض أشكال الفن، أو قد تجعلهم ينتجون شكلاً واحداً فحسب من أشكال الفن ويهملون الأشكال الأخرى العديدة».

ذهبت عمداً لأطيل قاصداً الإشارة إلى أن من يدعي أن الشعر يقترب من نهايته بالرغم من عراقته وتزامنه مع العصور في مواكبة تصور ويرتقي عتبات التطلع الأبدي للإنسان في معايشته له في كافة ظروفه ومواقعه ومساحاته بصفته المعبر عن الآني والمستقبل، وبأي شكل من أشكاله التي تعددت على ما يكيفه الدارسون أو الناقدون في اجتهادات لم تستقر على توافق منذ الأزل؛ العمودي، التفعيلي، قصيدة النثر، مجرد أشكال ما هي إلا ألبسة تفصل من قبل البعض، والشعر هو شعر متى ما كان مكتملاً لأدواته الشعرية في أي شكل كان، وهذا يتمثل في القدرة على تصور الأحاسيس الإنسانية بصدق مع مراعاة الذائقة الفنية في التناول، فالشعر فن محترم يفرض احترامه من خلال الصور التي يجسمها بما يعالج من مواضيع يكون ركيزتها الإنسان في إنسانيته.

(شفاه الفتنة) ديوان شعر للشاعر عبدالله الوشمي صدر في 2011 وهو ضمن دواوين للشاعر تتضمنها مكتبتي المتواضعة، وكانت دورة الحجر المنزلي وما تبعها التي أصبحت كما العادة قد دفعت إلى التفتيش والتقصي عن أوراق أو كتب، وقراءة ما استجلب حديثاً وعودة للبعض لاستكمال فكرة أو موضوع عالق، وحين وجدت هذه الشفاه للشاعر الصديق ولمحت على الغلاف (قصائد قصيرة) كانت المجموعة صادرة قبل أكثر من عقد من الزمن، وما يلاحظ في الآونة الأخيرة من التوجه إلى هذه الظاهرة التي يظنها البعض بفعل رتم الزمن السريع، وهي في حقيقتها مجرد تماهٍ مع وسائل التواصل التي تفرض الاختصار، وتقبل الذي يأتي بأي شكل من الفنون دون تأن ومراجعة إلا ما ندر، فلاحظت أن الشاعر قد أولى ديوانه اجتهادات في الشكل والمضمون، فالقصائد تماثلت مع الفصول في الرواية حيث يكون العنوان الموحد يجمع بين عدد من النصوص القصيرة التي قد تعني موضوعاً واحداً (كجسم) ولكن الجسم استقل كل عضو من أعضائه باسمه كما تخيله الشاعر، فمثلاً كانت القصيدة الأولى بعنوان (الثياب) جاءت بعناوين داخلية هي (صناعة بريطانية - انتحار- مفاجأة -قلق - الجنون- احتضار - التصاق - الحقل- الخياط - ثمار - خيط واحد - سؤال مؤجل - صناعة إنجليزية - مفارقة -معاداة- تنبيه - الصدر - عباءة - برقع - نون - لا شيء- ؟ - قبر - سبحات - ثقوب - عمق - الطاعة - معادلة - خنجر - وجهان -عثمان - يعقوب)، كل هذه العناوين تحت مظلة عنوان واحد هو (الثياب) وقد تفاوت في الطول والقصر بين النصوص حتى أن العنوان الرئيس تلاشت دلالته، إذ إن بين النصوص، أو القصائد القصيرة، التي يفترض والحالة هذه في التجمع تحت سقف العنوان الواحد أن تكون تعني ما يشير إليه العنوان، غير أن هناك ما يند عن المسار مما يوحي بأنه أدخل إقحاماً، أو أنه كتب في وقت مختلف وأُلحق بنص لا يشابهه في اللون كثيراً، وهذا لا يعيب ولكنه يضعف حبل الترابط الذي فرضه العنوان الأكبر، عموماً التوزيع الشكلي أضفى على النصوص / القصائد ما يدرج بعضها في عرف مسمى قصيدة الومضة التي تتداول وكأنها مكتشفة حديثاً وهي معروفة في الشعر من بداياته وعند الناقدين العرب لها ما يحددها (=بيت القصيد) مثلاً عندما يكون مُرتَكَزاً ومقْصداً يهدف إليه من خلال القصيدة، وربما يكون بيتاً واحداً استدعاه موقف ما سواء كان عاماً أو خاصاً يعبر عن حالة بوضوح، وفي الراهن كثر التوجه إلى هذا التنوع عند الشعراء المتمكنين من تطويع الكلمات لتعبر عن المشاعر الذاتية للفرد الذي يهدف إلى تصوير أحاسيسه كمشاركة وجدانية منه مع المثيل، والشاعر الوشمي في عنوانه الجاذب الشفاف يدفع اللهفة إليك حيث تسبقك لتستقبلها برشفة مقابل نفحة منها تتمثل في كثافة العبارة الموحية الدالة بلا وسيط سوى جمالية الموقع وشفافية العرض:

(مفاجأة)

«لا تلم كفّها المتبتل حين تبالغُ

في رسم فستانها

إنها تنتقي من سيصمد

حين تفاجئه بالبياض!»

البياض هو النقاء الصفاء ورسم الفستان بالبياض يذهب إلى معنى فيه سمو روحي يوحي بالحب فبياض النفوس علامة سعادة ورضا، وهنا يذهب الحدس إلى أن الحالة تصور مشاعر فرح سيجمع بين اثنين.. ولنبعد عن التحليل ومحاولة التلوين والرتوش والدخول إلى الجوانيات ونستمتع بالسير في روضة استراحة -شفاه الفتنة- ونصوصها:

(التصاق)

«كيف لم يحترق

قال: قد هزه الشوق حتى اختنق

آخر الصحو وأول الحلم حين

التصق

كفه كفها

هزها نحوه علها

ستساقط عليه بقايا حكاياتها

واستراح إلى صدرها

.....

ويصحو كل ثانية يحلم

يريد بأن.. وتمنعه الحكايا

أشه.. بل شهرزاد ولم يُسمّ»

إذا كان الإطار قد اتسع وتمدد نوعياً، فإن العودة إلى تقريب العدسة لتتضح الصورة لا يفوت الرسّام بالكلمات أن يضيق المسافة:

(ثمار)

«ما تناثر من خصل الليل فوق الثياب

دعيها

أنا سأضم الثمار!»

محبرة الألوان تحتوى على مزيج من الألوان التي تمكن الشاعر من تركيبها بتقنين لا تنقصه الدقة والحرفية بحيث إن العين تشاركها الأذن تعملان على خلق لحظات متعة ذهنية:

(بقية)

«بياض الثياب

احمرار الخدود

البقايا التي يتذكرها

العاشقون من القُبلة الرائعة»

كنت في هذه النبذ المتشابكة أود أن أكون مع الشعر الذي أحببته وصحبته وتعاملت معه وأرى ذاتي بدونه لا شيء، وأن أشارك محب الشعر والعامل عليه بصدق في تمازج وتقاطع في المشاعر حول الشعر الذي نشارك به الإنسان حسب قدراتنا وما أوتينا منه الاّ القليل «فليس الشاعر المطبوع من تخرج له المطابع ديواناً أو مجموعة، ولكن الشاعر المطبوع هو من يحفر بشعره قناة في الأذهان والمشاعر، وينقل إليك بعذوبة -كرأي الشاعر كامل الشناوي- وعمق وموسيقى نبضات قلبه والتفاتات ذهنه» وهذا ما كان في شفاه الفتنة التي رسمها عبدالله الوشمي الشاعر:

«أخاف من القفل

إن أوجع القفل مفتاح حبي

وغنت تفاصيله في يديه»

الخوف من الحب جمال والخوف من الجمال حب

والحب بمعناه الإنساني الشامل هو الخوف على الجمال العام الشامل في مداراته والحفاظ عليه عبر إسعاد الذات/ الذوات بلا نهاية.